يبدو أن “العبقرية” المغربية في تسيير الفشل لم تعد شأناً داخلياً، بل تحولت إلى مزار عالمي يُغري حتى سكان كوكب اليابان. ففي الوقت الذي يتربع فيه التعليم الياباني على عرش الرتب السبعة الأولى عالمياً، ويقبع فيه نظام التعليم المغربي في دهاليز الرتبة 98، طالعتنا الأنباء بزيارة وفد ياباني “مندهش” للاستفادة من التجربة المغربية! نعم، المصنف سابعاً جاء ليأخذ الدروس من المصنف في مؤخرة القائمة، في مشهد سريالي لا يحدث إلا في مملكة الشعارات.
هذه الزيارة تعيد للذاكرة تلك النكتة العتيقة التي رافقت محاولات المغرب الفاشلة في صناعة السيارات قبل عقود؛ حين تجمع اليابانيون حول “المسخ” الميكانيكي المغربي، لا لينقلوا التقنية، بل ليُروا أبناءهم مصير الكسل الدراسي: “انظر يا ولدي، إذا لم تجتهد في دروسك، ستصنع مثل هذه القمامة!”. واليوم، يبدو أن الوفد الياباني قرر ممارسة “الرعب التربوي” بشكل رسمي، ليُري طلابه كيف يمكن لنظام تعليمي أن يبتلع المليارات من العملة الصعبة والديون الدولية، ليُخرج في النهاية أجيالاً تتقن الحرقة في قوارب الموت أو البطالة في المقاهي.
ربما جاء اليابانيون لدراسة “الفيزياء الكونية” التي تفرضها “الساعة الإضافية المشؤومة”، حيث يخرج الطفل المغربي في القرى والمدن في ظلام دامس يصارع الذئاب والبرد ليصل إلى قسم يفتقر للتدفئة والكهرباء، ومع ذلك تصر الوزارة على أنها “تُحدث نهضة رقمية”. أو لعلهم جاءوا لاكتشاف “المعجزة الكيميائية” التي تحوّل “المخططات الاستعجالية” إلى حسابات بنكية متضخمة للمسؤولين، بينما تظل المدارس “أطلالاً” تبكي من بناها.
إنها “كوميديا سوداء” بامتياز؛ فالمخزن الذي يبيع الوهم للمجتمع الدولي حول “التنمية” و”الريادة”، يقدم اليوم درساً مجانياً لليابان في “كيفية تدمير العقول”. فاليابانيون أذكياء، وهم يدركون أن الحفاظ على القمة يتطلب دراسة “القاع”، ومن أفضل من نظام المخزن ليعطيهم دروساً في “تطبيع الجهل” و”صناعة الرداءة”؟
شكراً للوفد الياباني الذي كشف للعالم أن التعليم المخزني ليس مجرد “ضعف”، بل هو “قدوة” لكل من يريد أن يعرف كيف يهدم مستقبلاً في تسع وتسعين خطوة. وشكراً لوزارة التربية في المغرب التي جعلت من “الرتبة 98” علامة مسجلة في فن السقوط الحر.. ففي بلد العجائب، حتى الياباني يحتاج لزيارة “مقبرة الأحلام” ليتأكد أنه لا يزال حياً.
