لم تعد التحركات الإماراتية في الإقليم تُقرأ باعتبارها مجرد اختلاف في الرؤى أو تنافس سياسي طبيعي، بل باتت – وفق تقارير دولية متزايدة – تُفهم ضمن نهج قائم على توظيف النفوذ الخارجي للضغط على عواصم عربية شقيقة، ولو عبر أدوات حساسة وخطابات شديدة الخطورة.
التقرير الذي نشره موقع Middle East Eye حول سعي أبوظبي – بحسب ما أورده – إلى دفع جماعات ضغط أمريكية مؤيدة لإسرائيل لتوجيه اتهامات “معاداة السامية” إلى السعودية، يكشف نمطًا سياسيًا مقلقًا: نقل الخلافات العربية إلى ساحات النفوذ الغربي، وتدويل الخصومات عبر لوبيات ضغط بدل معالجتها داخل البيت العربي.
من المنافسة إلى الاستقواء بالخارج
الخلافات بين الدول أمر طبيعي. لكن ما يثير الجدل هو استخدام أدوات خارجية لإحراج أو محاصرة طرف عربي آخر. حين تتحول واشنطن إلى ساحة تصفية حسابات خليجية، وحين تُستخدم لوبيات حساسة التأثير في القرار الأمريكي للضغط على عواصم عربية، فإننا أمام سلوك يتجاوز السياسة إلى ما يمكن وصفه بـ”الاستقواء بالخارج”.
هذا الأسلوب – إن صحّت تفاصيله كما وردت في التقرير – يعكس ذهنية تقوم على:
توظيف شبكات الضغط الغربية كسلاح سياسي.
الاستثمار في حساسية ملف “معاداة السامية” داخل الولايات المتحدة لإرباك خصوم إقليميين.
إدارة الصراعات بعيدًا عن أي إطار عربي جامع.
تطبيع بلا سقف وضغط بلا ضوابط
منذ توقيع اتفاقيات التطبيع، بنت أبوظبي شبكة علاقات قوية داخل الدوائر المؤيدة لإسرائيل في واشنطن. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم:
هل تحوّلت هذه الشبكة إلى أداة ضغط ضد دول عربية؟
المعادلة الخطيرة هنا ليست في الاختلاف السياسي، بل في تحويل التحالفات الدولية إلى أدوات ابتزاز معنوي ودبلوماسي. فالخلافات الخليجية – أيا كان حجمها – لا تبرر نقل المعركة إلى مؤسسات ضغط أجنبية تحمل أجندات خاصة، ولا تبرر استخدام قضايا شديدة الحساسية كسلاح سياسي.
أثر هذا النهج على التضامن العربي
النتيجة المباشرة لمثل هذه الممارسات هي:
تعميق الانقسام داخل المنظومة العربية.
تكريس منطق المحاور بدل منطق التكامل.
إضعاف الموقف العربي الجماعي في القضايا الكبرى.
في لحظة إقليمية معقدة – من فلسطين إلى البحر الأحمر إلى التحولات الجيوسياسية الكبرى – يصبح أي سلوك يفاقم الانقسام العربي خدمة مجانية لخصوم المنطقة.
بين البراغماتية والعدوانية السياسية
تسوّق أبوظبي سياستها الخارجية باعتبارها “براغماتية” وواقعية. لكن البراغماتية شيء، والعمل على إحراج دول عربية عبر شبكات ضغط أجنبية شيء آخر تمامًا.
السياسة التي تبنى على الضغط غير المباشر، وتغذية الحملات الإعلامية، وتدويل الخلافات، قد تحقق مكاسب ظرفية، لكنها تخلّف ندوبًا استراتيجية عميقة.
إذا كانت المنطقة تحتاج اليوم إلى شيء، فهو الحد الأدنى من التضامن العربي، لا تحويل العواصم الغربية إلى ساحات تصفية حسابات.
الخلافات لا تُحل بتوريط أطراف خارجية في صراعات داخلية، ولا بإلباس الخصومة ثوبًا أخلاقيًا أو حقوقيًا لإحراج الآخر.
الرهان الحقيقي ليس في من يملك لوبيًا أقوى في واشنطن، بل في من يحافظ على الحد الأدنى من المسؤولية تجاه استقرار البيت العربي.
