تكشف معطيات المندوبية السامية للتخطيط المغربية، بعيدًا عن لغة التطمين الرسمية التي يستخدمها المخزن، عن صورة اقتصاد مغربي بدأ يفقد زخمه مع دخول النصف الثاني من سنة 2025. فبعد دينامية وُصفت بالقوية في الفصلين الأول والثاني، تراجع معدل النمو إلى 4 في المائة في الفصل الثالث، مقابل 4,8 و5,5 في المائة سابقًا، في مؤشر واضح على أن محركات النمو لم تعد تعمل بالوتيرة نفسها، وأن “الانتعاش” الذي جرى الترويج له كان هشًا ومشروطًا.
هذا التباطؤ لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط أساسًا بتراجع الأنشطة التحويلية، التي اصطدمت بانكماش الطلب الخارجي، خاصة في الصناعات المعدنية الثقيلة والإلكترونية والنسيج. وهي قطاعات يُفترض أنها تشكل رافعة الاندماج في الاقتصاد العالمي، لكنها تكشف مرة أخرى هشاشة النموذج الإنتاجي المغربي، شديد الارتهان للأسواق الخارجية وتقلباتها، وعاجز عن بناء قاعدة صناعية قادرة على الصمود.
في المقابل، واصلت بعض القطاعات غير القابلة للمتاجرة، كالعقار والخدمات غير السوقية والمالية، لعب دور “المُسكن” الذي يمنع الانهيار ولا يصنع نموًا حقيقيًا. أما الفلاحة، التي تُستدعى دائمًا كعامل توازن، فتبقى رهينة المناخ والظرفية، لا خيارًا استراتيجيًا مستدامًا. والنتيجة نمو يفوق معدله الاتجاهي بشكل طفيف، لكنه يظل دون مستوى الطموحات الاجتماعية، خاصة في ظل بطالة مرتفعة وتفاوتات مجالية صارخة.
الطلب الداخلي، الذي تراهن عليه السلطات كبديل عن تراجع المبادلات الخارجية، بدأ بدوره يُظهر علامات الإرهاق. صحيح أن الاستثمار حافظ على قدر من القوة بفعل الإنفاق العمومي على البنيات التحتية، لكن استهلاك الأسر تباطأ بشكل لافت، متراجعًا من 5,1 إلى 3,9 في المائة. وهو تراجع يعكس تآكل القدرة الشرائية، مهما حاولت الأرقام الرسمية التقليل من حدّته.
أما المبادلات الخارجية، فقد واصلت لعب دور الكابح الصافي للنمو، باقتطاع 4,3 نقاط كاملة، ما يفضح فشل السياسات التجارية في تقليص العجز البنيوي، ويؤكد أن الاقتصاد المغربي لا يزال يستهلك أكثر مما يُنتج، ويستورد أكثر مما يُصدّر بقيمة مضافة حقيقية.
وفي موازاة ذلك، يَبرز تراجع التضخم إلى مستويات سلبية (ناقص 0,1 في المائة) في الفصل الرابع، وهو تطور قد يبدو إيجابيًا ظاهريًا، لكنه يحمل في طياته دلالات مقلقة. فانخفاض الأسعار، خصوصًا الغذائية، لا يعكس بالضرورة تحسنًا هيكليًا، بل يرتبط بعوامل ظرفية كوفرة محصول زيت الزيتون وتراجع أسعار اللحوم وانخفاض الأسعار العالمية. أي أننا أمام “راحة مؤقتة” لا سياسة غذائية مستدامة.
الأخطر من ذلك أن التضخم الكامن بدوره دخل المنطقة السلبية، ما يعني أن ضعف الطلب بات عامًا، وأن الاقتصاد يقترب من حالة ركود مقنّع، حيث لا الأسعار ترتفع ولا الدخول تتحسن. وفي ظل ضغوط متزايدة على المالية العمومية وارتفاع عجز الميزانية، تتقلص هوامش المناورة أمام الدولة، بينما تتزايد كلفة الخيارات السياسية والاقتصادية التي تم تأجيل مراجعتها لسنوات.
خلاصة القول إن أرقام المندوبية، مهما غُلّفت بلغة تقنية هادئة، تكشف مأزق نموذج اقتصادي بلغ سقفه. نمو يتباطأ، طلب داخلي يعتدل نزولًا، تضخم سالب لا يترجم رفاهًا، وعجز خارجي مزمن. إنها مؤشرات لا تحتاج إلى مزيد من البلاغات، بل إلى مراجعة جذرية لسياسات المخزن الاقتصادية، التي تفضّل إدارة الأرقام على معالجة أسباب الاختلال.
