أبشع صور الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية ليست فقط تلك التي تُمارس بأسلحة الدمار والقتل المباشر، بل تراكم آثار الحروب التي تسرق من الشعوب كل مستقبل وأمل ورجاء، فحين تتوقف أصوات المدافع تظل آثار الحرب العقدية والفكرية والاجتماعية تفعل فعلها، ويدفع الفقراء والمستضعفون الثمن الأكبر.
قد نتساءل: هل هناك شيء أشنع من سلب الأرواح؟ الإجابة المؤلمة هي نعم. فالأبشع هو القضاء على الأمل وعلى الأحلام التي يسعى المرء لتحقيقها، ومصادرة الغد قبل أن يولد، وسجن العقول في عتمة الجهل والتخلف بعيدًا عن العلم والتقدم.
إن هذه الحروب، بمخلفاتها الكارثية، تصنع أجيالاً ضائعة تُحرم من أبسط حقوقها الطبيعية، وأولها حق المعرفة والتعليم والحياة الكريمة.
دعونا نتأمل واقع الأطفال الذين صقلت الحرب ملامح حياتهم، هؤلاء الصغار الذين خرجوا من فوضى الرصاص والدخان ليواجهوا جوعًا قاتلًا وعطشًا مقيمًا ومصيرًا أكثر قسوة من الموت، يعيشون في مخيمات اللجوء محرومين من كل شيء، حتى من التعليم.
مشهد يحمل في جوهره المأساة المتراكمة؛ حيث لم يتبقَ من أبسط المعاني سوى الصمت والعجز.
في هذه البيئة، كيف لأولئك الأطفال أن يحلموا بمستقبل أفضل؟ لقد خسروا كل شيء تقريبًا، ليس بفعل ما اقترفته أيديهم، بل لأن الحرب حكمت عليهم بالتيه، لا تعليم، ولا منزل يحتضنهم، ولا غذاء يكسو أجساد الجوعى، كيف يمكن لجيل كهذا أن يصنع غدًا مختلفًا؟
الأسئلة الحقيقية التي يجب أن تُطرح ليست موجهة للأطفال الأبرياء الذين لا يعلمون سبب شقائهم ولا ذنبهم، بل تُطرح على من صنعوا تلك الحروب وأشعلوا فتيل الفوضى.
تكرار السؤال لهؤلاء لن يأتي بإجابة تعكس روح الإنسانية، فقد يبررون جرائمهم بأسباب مثل المصالح والنفوذ والسعي وراء السلطة والهيمنة.. سيجيبون بلا تردد بأن العالم لا يُحكم إلا بالقوة وأن ضياع الأجيال ليس سوى «ثمن مستحق» لتحقيق بقائهم وسلطتهم.
بالنسبة إليهم، الحرب ليست أداة لتدمير الشعوب فقط بل هي أيضًا وسيلة لتفتيت الطموحات ووأد التطور، سيقولون بصوت ملؤه الفخر إن ما حققوه إنجاز عظيم يضمن لهم السيادة بينما يُبقينا نحن أسرى الجهل والتشريد.
ولكننا هنا نسأل: هل يمكن وصف هذا بالسعي نحو تقدم الإنسانية أو بناء حضارة؟ لا شيء يعكس هذا سوى انحراف قيم الإنسانية عن مسارها الطبيعي، ففي النهاية، تلك الجرائم التي يعتزون بها ليست سوى لعنة ستظل تطارد الشعوب المنكوبة لعقود، وربما قرون.
الخلاصة هي أن الحروب ليست قاتلة للأفراد فقط بل هي قاضية على الأحلام والطموحات، هي سرقة المستقبل واختزال الإنسان إلى مجرد رقم في معادلة البقاء.
وبينما يفتخر صناع الحرب بإنجازاتهم، تبقى الأجيال القادمة شاهدة على أبشع الجرائم الإنسانية التي سُجلّت عبر التاريخ.
