في خضم الحرب الأمريكية-الصهيونية المستمرة على إيران، يبرز تقرير لافت لمراسل قناة CNN فريدريك بلايتن، الذي نقل صورة مغايرة تماماً لما تروّجه أغلب الخطابات الإعلامية الغربية عن حالة “الذعر” أو “الانهيار الداخلي” في البلاد. فقد أكد المراسل، من داخل المدن الإيرانية، أنّ الحياة تسير بشكل طبيعي إلى حدّ كبير؛ المتاجر مفتوحة ومجهزة جيداً، الفواكه والخضروات الطازجة متوفرة في الأسواق، القهوة تُقدّم في المقاهي دون انقطاع، ومحطات الوقود تعمل بصورة منتظمة من دون طوابير طويلة أو نقص في الإمدادات. والأهم من ذلك، كما أشار، أنّه لا يوجد أي شعور عام بالهلع بين المواطنين.
تكشف هذه الشهادة الميدانية، الصادرة عن مراسل غربي يعمل في إحدى أكبر الشبكات الإخبارية في العالم، مفارقة لافتة في كيفية إدارة إيران للمعركة الإعلامية. فطهران، على الرغم من تعرضها لعدوان عسكري مباشر، لم تغلق أبوابها أمام الصحفيين الأجانب، بل سمحت لهم بالدخول والتجول والتغطية بحرية تامة، ونقل ما يشاهدونه على الأرض إلى جمهورهم العالمي. يعكس هذا الانفتاح الإعلامي ثقة الدولة في مجتمعها وفي تماسك جبهتها الداخلية، ويقدّم نموذجاً مختلفاً عن الصورة النمطية التي يحاول خصومها ترسيخها في الخطاب الإعلامي الدولي.
في المقابل، تكشف هذه الواقعة تناقضاً صارخاً مع الخطاب الذي يرفعه الكيان الصهيوني حول “حرية الصحافة”. ففي الوقت الذي يُسمح فيه للصحفيين الأجانب بالعمل داخل إيران ونقل تفاصيل الحياة اليومية في زمن الحرب، تُفرض قيود صارمة داخل الأراضي التي يسيطر عليها الكيان، حيث تخضع التغطية العسكرية والإعلامية لرقابة مشددة، وتُقيّد حركة المراسلين، وتُحجب العديد من المعلومات المتعلقة بالعمليات العسكرية والخسائر البشرية. وهكذا يتبدّى الفارق بين خطاب يدّعي الدفاع عن حرية الإعلام، وممارسة فعلية تقوم على التحكم الصارم في السردية الإعلامية ومنع أي رواية قد تُحرج المؤسسة العسكرية أو السياسية.
غير أنّ ما يكشفه تقرير المراسل لا يقتصر على مسألة الانفتاح الإعلامي فحسب، بل يمتد إلى صورة المجتمع الإيراني نفسه في لحظة المواجهة. فالحياة اليومية التي تستمر في الأسواق والشوارع، رغم القصف والتهديدات، تعبّر عن حالة من الثبات المجتمعي الذي لا يمكن فهمه إلا في سياق علاقة خاصة بين الدولة والمجتمع. يتجلى هذا الثبات أيضاً في المشهد السياسي والشعبي الذي يتكرر كل مساء في مختلف المدن الإيرانية، حيث تشهد الميادين مظاهرات جماهيرية حاشدة تتصاعد أعدادها يوماً بعد يوم.
يحتشد في تلك المظاهرات، التي تمتد من طهران إلى مشهد، ومن أصفهان إلى شيراز، ومن تبريز إلى الأهواز، الملايين في الشوارع تعبيراً عن رفضهم للعدوان واحتجاجاً على سياسة الاغتيالات التي تستهدف قيادات البلاد ورموزها. الهتافات ترتفع في الميادين دفاعاً عن سيادة الدولة واستقلالها، بينما تتحول التجمعات الشعبية إلى مشهد يومي يعكس التفافاً واسعاً حول مؤسسات الدولة والقيادة السياسية في مواجهة الحرب المفروضة على البلاد.
ويلاحظ المراقبون أن هذه المظاهرات ماهي إلا تعبير سياسي واجتماعي عن وحدة المجتمع الإيراني في لحظة تاريخية حساسة، إذ يعكس حضور الشباب والنساء والعائلات بأكملها في هذه التجمعات حالة من التلاحم الوطني الذي يتجاوز الانقسامات السياسية أو الاجتماعية، ويقدم رسالة واضحة بأن المجتمع الإيراني يرى في هذه المواجهة قضية سيادة وطنية وكرامة جماعية.
في هذا السياق، تبدو الحياة اليومية التي وصفها المراسل الأجنبي جزءاً من صورة أوسع: مجتمع يواصل عمله وحياته الطبيعية، وفي الوقت نفسه يعبّر عن موقفه السياسي في الشارع، ويعلن رفضه للضغوط والتهديدات الخارجية. فهذه القدرة على الجمع بين الاستمرار في الحياة اليومية والتعبئة الشعبية تعكس نوعاً من الصلابة المجتمعية التي غالباً ما تغيب عن التحليلات السطحية في الإعلام الدولي.
إنّ المشهد الذي يتشكل اليوم في إيران يطرح سؤالاً جوهرياً حول طبيعة القوة في المجتمعات أثناء الحروب. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرات العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضاً بمدى تماسك المجتمع وثقته في مؤسساته. وفي حالة إيران، يبدو أن هذا التماسك الاجتماعي والسياسي يلعب دوراً حاسماً في مواجهة الضغوط العسكرية والإعلامية التي تتعرض لها البلاد.
وفي النهاية، تكشف شهادة المراسل الأجنبي، وما يرافقها من مشاهد الحياة اليومية والمظاهرات الشعبية، أن الصورة الحقيقية لإيران في زمن الحرب مغايرة بكثير لما تقدمه الدعاية السياسية. فبينما تسعى بعض الروايات إلى تصوير البلاد على أنها تعيش حالة انهيار أو فوضى، تشير الوقائع الميدانية إلى مجتمع يواصل حياته بثبات، ويعبّر في الوقت ذاته عن موقف سياسي واضح في مواجهة العدوان الجائر.
