الخميس 15 جانفي 2026

إيران والحرب المحتملة.. احتجاجات داخلية وسيناريوهات مفتوحة بين الضغط والردع

نُشر في:
إيران والحرب المحتملة.. احتجاجات داخلية وسيناريوهات مفتوحة بين الضغط والردع

يعود الملف الإيراني بقوة إلى واجهة المشهد الإقليمي والدولي، وسط تراكب معقّد بين اضطرابات داخلية متصاعدة ومناخ إقليمي مشحون بالتهديدات العسكرية. فالمؤشرات السياسية والأمنية والإعلامية لم تعد توحي بأزمة عابرة، بل بمرحلة شديدة الحساسية، تُطرح فيها أسئلة كبرى حول مستقبل الاستقرار في إيران، واحتمالات انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة تقودها الولايات المتحدة و”إسرائيل” تحت عناوين متعددة، من الأمن إلى حقوق الإنسان.

من الداخل، تعيش إيران واحدة من أعقد لحظاتها منذ سنوات. فمع نهاية 2025 وبداية 2026، فجّرت الأزمة الاقتصادية المتفاقمة موجة احتجاجات واسعة، غذّاها تضخم يناهز 40%، وانهيار متسارع في قيمة الريال، وتآكل القدرة الشرائية لمختلف الفئات. لم تكن الشرارة هذه المرة سياسية في ظاهرها، بل انطلقت من قلب السوق، من تجار البازار وشرائح اجتماعية لطالما شكّلت صمام أمان نسبي للنظام. غير أن الطابع الاقتصادي سرعان ما تداخل مع شعارات سياسية، لتعود الهتافات المناهضة للسلطة وتفتح جراحًا لم تندمل منذ احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” عام 2022.

هذا المشهد ليس جديدًا في التاريخ الإيراني الحديث. فمن الحركة الخضراء عام 2009، إلى احتجاجات الطلبة عام 1999، واحتجاجات البنزين في 2019، مرورًا بموجات الغلاء بين 2017 و2018، ظلت إيران تعيش دورات متكررة من الغضب الاجتماعي، تختلف أسبابها المباشرة لكن تتشابه نتائجها: تشديد أمني، واحتواء سياسي محدود، وبقاء جذور الأزمة دون حل جذري. غير أن ما يميّز اللحظة الراهنة هو تزامن الضغط الداخلي مع تصعيد خارجي غير مسبوق في حدّته وتوقيته.

في هذا السياق، تبدو قراءة القيادة الإيرانية لما يجري مختلفة عن القراءة الغربية. فوفق الرواية الرسمية، لم تعد الاحتجاجات مجرّد تعبير اجتماعي، بل تحوّلت إلى جزء من حرب هجينة، تُستخدم فيها الأدوات الاقتصادية والإعلامية والرقمية لتقويض الاستقرار من الداخل. لذلك، لا يمكن فصل تشديد القبضة الأمنية وقطع الإنترنت ورفع الجاهزية العسكرية عن تقدير استراتيجي يرى أن الجبهة الداخلية باتت خط الدفاع الأول في مواجهة خصوم خارجيين.

هذا التقدير يتقاطع مع تحركات عسكرية لافتة، أبرزها رفع مستوى تأهب الحرس الثوري، ووضع “مدن الصواريخ” تحت الأرض في حالة جاهزية قصوى، في رسالة ردع واضحة مفادها أن طهران تستعد لأسوأ السيناريوهات. فالقيادة الإيرانية، وإن كانت لا تبحث عن حرب شاملة، تدرك أن أي ضعف داخلي قد يُستثمر خارجيًا لتبرير ضربة عسكرية أو تصعيد متعدد الأوجه.

في المقابل، يعيش الكيان الصهيوني حالة استنفار غير مسبوقة، من الشمال إلى الجنوب، في ظل مخاوف حقيقية من رد إيراني واسع في حال اندلاع مواجهة مباشرة. ورغم الخطاب التصعيدي، يكشف هذا الاستنفار عن قلق أكثر مما يعكس ثقة. فالهجوم الإيراني السابق، وما رافقه من اختراقات نفسية وعسكرية، أعاد طرح أسئلة جوهرية حول فعالية منظومة الردع الصهيونية وقدرتها على تحمّل حرب متعددة الجبهات.

أما في واشنطن، فيبدو المشهد أكثر التباسًا. فالرئيس دونالد ترامب يلوّح بالخيار العسكري، ويترك باب التفاوض مواربًا في الوقت نفسه. تصريحات متناقضة، اجتماعات أمنية متواصلة، وتسريبات عن سيناريوهات تشمل ضربات عسكرية أو هجمات إلكترونية أو دعمًا مفتوحًا للمعارضة، كلها تعكس إدارة لا ترى الملف الإيراني تحت السيطرة، لكنها تخشى في الوقت ذاته كلفة الانزلاق إلى حرب مفتوحة قد توحّد الإيرانيين بدل إضعاف النظام.

وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه: لماذا العودة إلى التهديد العسكري بعد حرب قصيرة قيل إنها “حققت أهدافها”؟ الجواب يكمن في محدودية نتائج تلك الحرب. فرغم التفوق الجوي والتكنولوجي الأمريكي–الصهيوني، لم تتغير معادلة القوة الإيرانية جذريًا، ولم يُمسّ جوهر البرنامج الصاروخي أو النفوذ الإقليمي لطهران. لذلك، لم يكن الحديث عن “نجاح” الحرب سوى توصيف سياسي وإعلامي لاحتواء الرأي العام، أكثر منه تقييمًا استراتيجيًا دقيقًا.

اليوم، يتقاطع عاملان حاسمان: ضغط داخلي يُنظر إليه في الغرب كفرصة، وقلق إقليمي من تعاظم القدرات الإيرانية بمرور الوقت. وبين هذين العاملين، تتحرك حسابات واشنطن و”تل أبيب” بحثًا عن صيغة ضغط جديدة، دون ضمانات حقيقية لنتائجها.

في المحصلة، لا تبدو المنطقة على أعتاب حرب كبرى حتمية، بقدر ما تقف أمام مرحلة استنزاف مفتوحة، تُدار فيها المواجهة بأدوات مركّبة، تجمع بين التهديد العسكري، والحرب النفسية، والضغط الاقتصادي، ومحاولات الاختراق الداخلي. إيران، من جهتها، تراهن على الصمود وإدارة الأزمات بدل الحسم السريع، فيما يراهن خصومها على إنهاك طويل الأمد قد يغيّر موازين القوى من الداخل.

بين هذين الرهانين، يبقى المشهد مفتوحًا على كل الاحتمالات، في منطقة اعتادت أن تبدأ أزماتها بالاحتجاجات، ولا تنتهي إلا بتغييرات كبرى في خرائط السياسة والصراع.

رابط دائم : https://dzair.cc/zxl2 نسخ

اقرأ أيضًا