كشفت المعطيات الأخيرة الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط في المغرب عن واقع اجتماعي “مرعب” يعري فشل السياسات العمومية المتبعة، حيث سجلت الأرقام اتساعاً غير مسبوق في فجوة الفوارق الطبقية بين فئات المجتمع. هذه البيانات الرسمية تأتي لتؤكد أن ما يسمى بـ “النموذج التنموي الجديد” ليس سوى غطاء لسياسات تزيد الغني غنىً وتدفع بالطبقات المتوسطة والفقيرة نحو حافة العدم، في ظل تركز الثروة الوطنية في يد فئة قليلة مرتبطة بدوائر النفوذ والقرار.
وتشير الأرقام إلى أن مستويات الإنفاق والاستهلاك تظهر تفاوتاً صارخاً، حيث تستحوذ الفئات الأكثر ثراءً على حصة الأسد من مقدرات البلاد، بينما تكافح أغلبية الأسر المغربية لتأمين الحد الأدنى من العيش الكريم. إن هذا التفاوت البنيوي ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة حتمية لنظام اقتصادي ريعي يكرس الاحتكار ويغيب العدالة الجبائية، مما حول المغرب إلى بؤرة للتفاوتات الاجتماعية التي تهدد السلم الأهلي وتعمق حالة الإحباط الشعبي.
إن تدهور القدرة الشرائية الذي رصدته المندوبية يعكس الأثر المدمر للتضخم والزيادات المتتالية في أسعار المواد الأساسية والمحروقات. فبينما تواصل اللوبيات الاقتصادية مراكمة الأرباح، تجد الأسر المغربية نفسها مضطرة للاستدانة أو تقليص سلة غذائها للبقاء على قيد الحياة. هذا الواقع المأساوي يفضح زيف الخطاب الرسمي حول “الدولة الاجتماعية” ويؤكد أن الأولوية في أجندة المخزن هي حماية مصالح “الكارتيلات” على حساب كرامة المواطن البسيط.
كما يبرز التقرير فوارق جهوية حادة بين المدن والأرياف، حيث تعيش مناطق واسعة من “المغرب العميق” عزلة تامة وافتقاراً لأبسط مقومات الحياة من صحة وتعليم وبنية تحتية. إن استمرار هذا التهميش الممنهج لساكنة الجبال والقرى يؤكد أن التنمية في قاموس المخزن هي تنمية “الواجهة” التي تُعرض للسياح والأجانب، بينما يظل الواقع الحقيقي مراراً من الفقر والهشاشة والإقصاء الاجتماعي الذي يطال الملايين.
وتظل هذه الأرقام بمثابة إنذار أخير لنظام يرفض الاعتراف بإخفاقاته الهيكلية، ويفضل الهروب إلى الأمام عبر مشاريع كبرى لا يستفيد منها إلا أصحاب رؤوس الأموال. إن اتساع دائرة الفوارق الطبقية في المغرب هو برميل بارود ينتظر شرارة الانفجار، في ظل احتقان شعبي متصاعد يرى ثروات البلاد تُنهب جهاراً نهاراً، بينما يُراد من المواطن المغربي أن يكتفي بـ “الفتات” ويصمت أمام تغول القوى المالية المهيمنة على مفاصل الدولة.
