تكشف التطورات الأخيرة في العدوان الأميركي-الصهيوني على إيران عن مأزق استراتيجي يطارد إدارة ترامب ونتنياهو، ويعرّي حدود القوة حين تُبنى على الوهم وسوء التقدير.
فما بدأ محاولةً لإضعاف إيران من الداخل، عبر استهداف القيادات السياسية والرموز المؤسِّسة، والضغط على البنى الحيوية، وإرباك القرار الوطني، انتهى إلى عدوان مفتوح على الدولة والشعب معاً، في مسعى يائس لتعويض فشل لم يعد ممكناً إخفاؤه.
لقد راهن المعتدون على أن استهداف القادة في اليوم الأول سيفتح ثغرة في الجبهة الداخلية، وأن الارتباك الاقتصادي سيقود إلى انهيار سياسي، وأن تآكل الثقة بين الدولة والشعب سيهشّم الأسس التي تقوم عليها قوة إيران. غير أن الواقع جاء على النقيض تماماً: دولة متماسكة، وقيادة ثابتة، وشعب يزداد التفافاً حول مؤسساته كلما اشتد العدوان.
لقد توالت خسائر رهانات ترامب واحدة تلو الأخرى، حيث فشلت محاولة إحداث فراغ سياسي من خلال استهداف القيادات ذات الحصانة، وفشل مشروع بثّ الفوضى في بنية القرار الإيراني، وفشلت المراهنة على انقسام داخلي أو انتفاضة مُعلّبة تُدار من الخارج.
كما فشل الضغط العسكري في تعطيل القدرات الدفاعية أو إرباك منظومة الردع، وفشل الابتزاز السياسي في استدراج أوروبا إلى حرب تُسوَّق على أنها دفاع عن “الأمن الإقليمي”.
ولم ينجح ترامب في توريط دول الخليج على النحو الذي أراده، ولا في فتح المضيق بالقوة، ولا في كسر الإرادة الإيرانية بإغراءات التفاوض أو تهديدات النار.
ومع تراكم هذا الإخفاق، انكشفت الحقيقة كما هي: عندما تعجز الحرب عن إسقاط الدولة، ينتقل صاحبها إلى ضرب حياة الناس نفسها، لأن الهدف لم يعد النظام وحده، بل المجتمع الذي يسنده، والاقتصاد الذي يرفده، والذاكرة التي تمنحه القدرة على الصمود.
من هنا جاء استهداف المنشآت الحيوية، وفي مقدمتها منشآت الغاز والطاقة، باعتباره تعبيراً فاضحاً عن انتقال العدوان من محاولة التغيير السياسي إلى السعي لتدمير شروط الحياة اليومية. فاستهداف حقل بارس، بكل ما يمثله من ثقل اقتصادي وطاقوي، ليس تفصيلاً عسكرياً عابراً، بل ضربٌ مباشر لعصب الدولة، ومحاولة لتخريب شبكات الكهرباء، والوقود، والصناعة، والنقل، وكل ما يتصل بعصب المجتمع.
وحين تُستهدف مثل هذه المنشآت، فإن الرسالة ليست موجهة إلى المؤسسات وحدها، بل إلى المواطن في بيته، والعامل في مصنعه، والطبيب في مستشفاه، والطالب في جامعته. هنا تحديداً تتكشف الهمجية بأبشع صورها: عدوان لا يكتفي بمخاصمة الدولة، بل يعلن الحرب على الشعب، ويعامل الأرض بوصفها غنيمة، والناس بوصفهم خسائر جانبية. ذلك هو الوجه العاري لسياسة لا تعرف من المنطق إلا القهر، ولا من القوة إلا التخريب، ولا من السياسة إلا الابتزاز.
لكن ما لم يُحسنه ترامب ونتنياهو، وما أسقط كل حساباتهما، هو قراءة المجتمع الإيراني قراءة صحيحة. فكل قصف جديد، وكل تهديد إضافي، وكل محاولة لإرباك الداخل، لم تفضِ إلى الانهيار الموعود، بل إلى مزيد من التلاحم بين الشعب والدولة، وإلى مزيد من الثقة بالقيادة، وإلى تصاعد القناعة بأن المعركة لم تكن يوما معركة نظام سياسي، بل معركة سيادة ووجود وكرامة وطنية.
وحين يعجز المعتدي عن تحقيق أهدافه العسكرية، ثم يفشل في الاختراق السياسي، ثم يتعثر في استثمار الضغوط الاقتصادية، فإنه ينزلق إلى الاستهداف الأعمى للبنى التحتية والمنشآت الحيوية والموارد التي يعيش عليها الناس. عند هذه النقطة تحديداً، يثبت العدوان أنه عاجز، بينما تتجلى صلابة إيران ووحدة شعبها كجدار لا يُخترق أمام كل الضغوط والهجمات.
