لم يعد النقاش حول إصلاح العدالة في المغرب شأناً تقنياً أو ملفاً مؤجلاً ضمن أجندات الحكومات، بل تحوّل إلى مرآة تعكس عمق الاختلال الذي يطال بنية الدولة نفسها. فحين يقرّ نقيب المحامين عبد الرحيم الجامعي، من داخل ندوة سياسية علنية بالرباط، بأن الجميع يعلم بوجود فساد واختلالات بنيوية في “العملية القضائية”، وحين يُصنَّف المغرب في الرتبة 92 عالمياً في مجال إصلاح العدالة، فإن الأمر يتجاوز حدود النقد المهني ليصل إلى مستوى الإدانة الصريحة لمنظومة يفترض أنها العمود الفقري لدولة الحق والقانون.
الجامعي شدد على أن أي حديث عن إصلاح مهنة المحاماة بمعزل عن إصلاح شامل لمؤسسات الدولة، وعلى رأسها القضاء، هو ضرب من الوهم. فلا يمكن، بحسبه، بناء مهنة دفاع قوية داخل منظومة ينخرها الخلل، ولا يمكن الحديث عن عدالة مستقلة في ظل ضغوط بنيوية تمارس على القضاة، سواء عبر الآجال الاسترشادية، أو التفتيش، أو منطق الأرقام الذي حوّل الأحكام القضائية إلى مجرد منتجات كمية فاقدة للجودة والتعليل. هذا الوضع، كما عبّر عنه، أدى بشكل طبيعي إلى انفجار عدد الطعون، حيث بلغ الرقم أزيد من خمسين ألف طعن، وهو مؤشر خطير على فقدان الثقة في الأحكام الصادرة.
ومنذ دستور 2011، ورغم ما رُوّج له من استقلال القضاء، فإن الواقع العملي، حسب الجامعي، يكشف عن فجوة كبيرة بين النص والممارسة. فاستقلال المؤسسات لم يُترجم إلى استقلال القرار، ولا إلى تعزيز فعلي لضمانات المحاكمة العادلة. بل على العكس، تعمّقت الإشكالات، وازدادت هشاشة العدالة، خصوصاً بعد جائحة كوفيد-19 التي اعتبرها النقيب لحظة مفصلية في تدمير ما تبقى من توازن داخل المنظومة القضائية.
فخلال الجائحة، أُغلقت المحاكم، وضُرب حق الدفاع في الصميم، وفُرضت المحاكمة عن بُعد كخيار استثنائي، قبل أن تتحول إلى ممارسة دائمة في العديد من المناطق. محاكمات، كما وصفها الجامعي، تُجرى في “رعب إلكتروني”، لا يسمع فيها القاضي ولا المحامي ولا المتهم، ومع ذلك تصدر أحكام خطيرة، حتى في القضايا الجنحية، فما بالك بالجنائية. ويرى أن المحاماة “شُيّعت” خلال كوفيد، وأن تداعيات تلك المرحلة لا تزال حاضرة إلى اليوم.
بعد الجائحة، دخلت المحاماة في سلسلة أزمات متتالية، من قرارات ضريبية خانقة، إلى تمرير قوانين تمس جوهر العدالة، وعلى رأسها قانون المسطرة المدنية، ثم مشروع قانون المسطرة الجنائية، الذي قوبل بانتقادات حادة من داخل البرلمان وخارجه، ومن مؤسسات دستورية وحقوقية، بينها المجلس الوطني لحقوق الإنسان والمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي. ورغم ذلك، تم تمرير النصوص بمنطق الغلبة، لا بمنطق التوافق.
الأخطر، كما كشف الجامعي، أن مشروع قانون مهنة المحاماة الذي وصل إلى البرلمان ليس هو المشروع الذي تم الترويج له داخل وزارة العدل، وهو ما يطرح أسئلة خطيرة حول مصداقية المسار التشريعي برمته. فكيف يتم التصويت على قوانين يعلم الجميع أنها تضرب حقوق الدفاع، وتقلص من ضمانات المحاكمة العادلة، وتمنح سلطات أوسع للنيابة العامة والضابطة القضائية، دون أي حوار حقيقي مع أصحاب المهنة؟
في قراءة الجامعي، لا يتعلق الأمر بسوء تدبير أو أخطاء معزولة، بل بصراع سياسي مقنّع مع المحاماة باعتبارها “قوة مضادة”. فالمحامون، بحكم موقعهم، يواجهون التعسف، ويفضحون الفساد، ويدافعون عن ضحايا الاستبداد بالقانون وبالوسائل السلمية. وهذا ما يزعج السلطة، التي تسعى، وفق تعبيره، إلى إسكاتهم عبر نصوص قانونية تضرب استقلال الدفاع، وتمس حصانة المحامي، وتمنعه حتى من ولوج مخافر الشرطة في الساعات الأولى من الاعتقال.
وتوقف النقيب عند مفارقة لافتة، تتجلى في منح وزارة العدل صلاحية تسجيل المحامين الأجانب دون الرجوع لمؤسسات المهنة، في وقت تُفتح فيه الأبواب أمام الشركات الأجنبية لجلب محاميها، وكأن المحامين المغاربة عاجزون أو غير مؤهلين للدفاع عن القضايا الاستثمارية الكبرى. وهو ما اعتبره إهانة للمهنة، وللكفاءات الوطنية، ولمفهوم السيادة القانونية.
في المحصلة، فإن الرتبة 92 التي يحتلها المغرب في إصلاح العدالة ليست مجرد رقم في تقرير دولي، بل إنذار واضح بأن منظومة العدالة تسير في اتجاه مقلق، وأن الإصلاحات المعلنة لم تنجح في استعادة ثقة المجتمع. رسالة عبد الرحيم الجامعي جاءت صريحة: لا ديمقراطية بلا عدالة، ولا عدالة بلا دفاع مستقل، ولا إصلاح حقيقياً في ظل قوانين تُفصَّل لإسكات من يفترض أن يحمي الحقوق ويواجه الفساد. وما لم يُفتح نقاش جذري وشجاع حول طبيعة هذا المسار، فإن أزمة العدالة ستبقى واحدة من أخطر أعطاب الدولة.
