عاد ملف الحريات العامة في المغرب إلى الواجهة بعد اعتقال الناشط الحقوقي محمد الوسكاري بمدينة قصبة تادلة، في قضية أثارت تفاعلاً واسعاً داخل الأوساط الحقوقية، خصوصاً بعد مطالبة هيئات مدنية بالإفراج عنه واعتبار متابعته مؤشراً جديداً على تضييق الفضاء العام أمام النشطاء.
فقد عبرت الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين “همم” عن قلقها من متابعة الوسكاري في حالة اعتقال، بعدما وجهت له النيابة العامة تهماً تتعلق بإهانة موظفين عموميين والعنف في حقهم، مع تحديد جلسة لمحاكمته في منتصف مارس.
من احتجاج اجتماعي إلى متابعة قضائية
وبحسب المعطيات التي أوردتها الهيئة، فإن خلفية القضية تعود إلى احتجاج الناشط على ما وصفه باختزال مطالبه الاجتماعية في “قفة رمضان”، حيث قام بإرجاع المساعدة إلى الباشوية تعبيراً عن رفضه تلقي إعانات ظرفية بدل تمكينه من حقه في الشغل والعيش الكريم.
الوسكاري، الحاصل على شهادة جامعية، كان يناضل منذ سنوات من أجل الحصول على فرصة عمل، وهو ما جعله منخرطاً في أنشطة احتجاجية اجتماعية، قبل أن تتحول إحدى هذه الوقائع إلى متابعة قضائية انتهت بإيداعه السجن.
تضامن حقوقي ومطالب بالإفراج
وأعلنت الهيئة تضامنها الكامل مع الناشط، مطالبة بالإفراج الفوري عنه وتصحيح قرار متابعته في حالة اعتقال، معتبرة أن ما حدث يندرج ضمن سلسلة من الضغوط التي يتعرض لها المدافعون عن حقوق الإنسان والنشطاء الاجتماعيون في المغرب.
كما دعت السلطات القضائية إلى ضمان محاكمة عادلة وتبرئة الناشط مما نسب إليه، مطالبة الأجهزة الأمنية لنظام المخزن بوقف “التغول السلطوي” في التعامل مع النشطاء والمدونين والمحتجين الاجتماعيين.
أزمة ثقة بين المجتمع والسلطة
قضية الوسكاري تعكس، بحسب العديد من المتابعين، أزمة أعمق تتعلق بالعلاقة بين الدولة والحركات الاجتماعية. فبالنسبة لعدد من النشطاء المغاربة، تحولت الاحتجاجات الاجتماعية في السنوات الأخيرة من وسيلة للتعبير عن المطالب إلى مصدر للملاحقات القضائية، وهو ما يثير تساؤلات حول حدود حرية التعبير والاحتجاج.
ويرى مراقبون أن معالجة الأزمات الاجتماعية عبر المقاربة الأمنية أو القضائية قد تزيد من حدة التوتر، في حين أن الحلول الحقيقية تكمن في الاستجابة للمطالب الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع المواطنين إلى الاحتجاج.
مطلب الانفراج الحقوقي
في ختام بيانها، جددت الهيئة المغربية لمساندة المعتقلين السياسيين دعوتها إلى إطلاق سراح جميع معتقلي الرأي والمدونين ومناهضي التطبيع في السجون المغربية، مطالبة بـ“انفراج حقوقي وسياسي” يعيد الثقة في المؤسسات ويضمن حرية التعبير والعمل الحقوقي.
وبين رواية رسمية تعتبر الأمر تطبيقاً للقانون، ورواية حقوقية ترى فيه استهدافاً للنشاط الاحتجاجي، تبقى قضية محمد الوسكاري اختباراً جديداً لواقع الحريات العامة في المغرب، ولقدرة المؤسسات على تحقيق التوازن بين هيبة الدولة واحترام الحق في التعبير والاحتجاج السلمي.
