لم تحتج جهة سوس ماسة إلى زلزال أو إعصار حتى تنكشف حقيقة البنيات التحتية التي طالما قُدمت كإنجازات “تنموية كبرى”. بضع ساعات من الأمطار القوية كانت كافية لعزل الصويرة عن تيزنيت، وشلّ محاور طرقية استراتيجية، وإسقاط قناطر يفترض أنها صُممت لتقاوم الزمن والمناخ، لا لتنهار مع أول فيضان. هكذا، وبلا رتوش، سقط قناع الخطاب الرسمي الذي يبيع الوهم ويخفي الهشاشة.
انهيار قنطرة واد تسوكة بتمنار، وانقطاع الطريق الوطنية رقم 1 في أكثر من مقطع، وتعطل طرق إقليمية حيوية، ليست حوادث معزولة ولا “قدرا طبيعيا” كما يحاول البعض تسويقه. ما حدث هو نتيجة منطقية لسياسات ترقيعية، ولمشاريع تُنجز بمنطق الصفقات لا بمنطق السلامة والاستدامة، حيث تُختصر الدراسات التقنية، وتُختزل معايير الجودة، ويُترك المواطن وحيدا في مواجهة المخاطر.
الطريق الوطنية رقم 1 ليست مسلكا قرويا ثانويا، بل شريان اقتصادي وسياحي حيوي، تمر عبره يوميا مئات الشاحنات التي تنقل المنتجات الفلاحية والبحرية، وآلاف المسافرين. ومع ذلك، يكفي ارتفاع منسوب المياه حتى تتحول هذه الطريق إلى مصيدة، يُحتجز فيها المواطنون لساعات، وتُقطع فيها سلاسل التزويد، وتُهدد فيها حياة المرضى والحالات الاستعجالية. فأي “نموذج تنموي” هذا الذي يعجز عن ضمان حق التنقل الآمن؟
الأدهى أن سيناريو انهيار القناطر وانقطاع الطرق يتكرر كل سنة تقريبا في المغرب، ومع ذلك لا أحد يُحاسب. نفس الصور، نفس البيانات، نفس الوعود بإصلاح “سريع” و“مؤقت”، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه، في انتظار فيضان جديد. كأن المطلوب ليس بناء طرق تقاوم، بل إدارة الأزمات إعلاميا إلى أن ينصرف الغضب.
في المقابل، لا تتأخر آلة الدعاية في الترويج لمليارات صُرفت على البنية التحتية، ولمشاريع وُصفت بالهيكلية. لكن الأمطار، التي لا تكذب ولا تجامل، كشفت أن جزءا كبيرا من هذه الاستثمارات ذهب في الإسمنت الرديء، والدراسات الناقصة، والمقاولات المحظوظة، لا في حماية الأرواح والممتلكات. فالمشكل لم يعد في “التغيرات المناخية” فقط، بل في عقلية تدبير ترى في الطريق رقما في تقرير، لا مسؤولية أخلاقية وتقنية.
ردود الفعل الغاضبة على مواقع التواصل الاجتماعي لم تأت من فراغ. المواطن البسيط، الذي وجد نفسه عالقا في العراء، أو خسر رزقه بسبب انقطاع الطرق، لم يعد يصدق خطاب “الاستثناء المغربي”. الواقع اليومي أقوى من البلاغات، وصورة القنطرة المنهارة أبلغ من كل الشعارات.
ما حدث بين الصويرة وتيزنيت ليس مجرد خبر عابر، بل إنذار جديد. إنذار بأن هشاشة البنيات التحتية هي انعكاس لهشاشة الحكامة، وبأن تغييب المحاسبة سيجعل كل شتاء موسما للخوف والعزلة. فإما أن يُعاد النظر جذريا في طريقة التخطيط والإنجاز والمراقبة، أو سنبقى نعدّ القناطر المنهارة بعد كل مطر، ونكتشف في كل مرة أن المشكلة لم تكن في السماء، بل في الأرض ومن يديرها.
