وافق الاتحاد الأوروبي رسمياً على خطة تقضي بحظر استيراد الغاز الروسي بشكل تدريجي، سواء عبر خطوط الأنابيب أو في شكل الغاز الطبيعي المسال، على أن يكتمل هذا المسار بحلول خريف عام 2027. ويأتي القرار تتويجاً لمسار سياسي واقتصادي انطلق منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، وهدفه المعلن تقليص الاعتماد الطاقوي على موسكو وتعزيز ما تسميه بروكسل “السيادة الطاقوية الأوروبية”.
وأعلن مجلس الاتحاد الأوروبي، في بيان رسمي، أن غالبية ممثلي الدول الأعضاء صادقوا على لائحة الإيقاف التدريجي لواردات الغاز الروسي، مؤكداً أن الحظر سيشمل الغاز المنقول عبر الأنابيب، إضافة إلى شحنات الغاز الطبيعي المسال، التي كانت قد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً منذ عام 2022 لتعويض تراجع الإمدادات التقليدية.
ويمثل هذا القرار تحوّلاً نوعياً في مقاربة الاتحاد الأوروبي للعلاقة مع روسيا، لا سيما أن الغاز الروسي شكّل لعقود أحد أعمدة أمن الطاقة الأوروبي، خاصة لدى دول أوروبا الوسطى والشرقية وألمانيا. ورغم أن نسبة الاعتماد على الغاز الروسي تراجعت بالفعل خلال السنوات الأخيرة، إلا أن الإقرار الرسمي بجدول زمني للحظر الكامل يكرّس قطيعة استراتيجية طويلة الأمد.
تحليلياً، يعكس القرار الأوروبي تداخلاً بين الحسابات الجيوسياسية والاعتبارات الطاقوية. فمن جهة، تسعى بروكسل إلى تقليص أي هامش نفوذ روسي محتمل عبر الطاقة، باعتبارها أداة ضغط سياسي واقتصادي. ومن جهة أخرى، تراهن على تنويع مصادر التزويد، عبر تعزيز واردات الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة وقطر، وتوسيع الشراكات مع موردين آخرين في المتوسط وإفريقيا عل غرار الجزائر، إلى جانب تسريع الاستثمار في الطاقات المتجددة.
غير أن هذا التوجه لا يخلو من كلفة اقتصادية واجتماعية. فالغاز الطبيعي المسال غالباً ما يكون أعلى ثمناً من الغاز المنقول عبر الأنابيب، كما أن البنية التحتية الأوروبية لا تزال غير متكافئة بين الدول الأعضاء، ما يطرح تحديات تتعلق بالتوزيع والتخزين والأسعار. وتخشى بعض الدول من أن يؤدي الحظر الكامل إلى ضغوط إضافية على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وإلى استمرار تقلب أسعار الطاقة، خاصة في فترات الذروة.
في المقابل، ترى المفوضية الأوروبية وأنصار القرار أن المرحلة الانتقالية الممتدة إلى عام 2027 تمنح الدول الأعضاء وقتاً كافياً للتكيف، وبناء قدرات بديلة، وتفادي صدمات حادة في الأسواق. كما يُنظر إلى القرار باعتباره رسالة سياسية واضحة تؤكد أن الاتحاد الأوروبي مستعد لتحمّل كلفة استراتيجية مقابل تقليص تبعيته الطاقوية وتعزيز استقلال قراره الجيوسياسي.
في المحصلة، لا يقتصر حظر الغاز الروسي على كونه إجراءً تقنياً في سوق الطاقة، بل يعكس إعادة رسم أعمق لخريطة العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا، في سياق دولي يتجه نحو الاستقطاب وتسييس الموارد الاستراتيجية. ويبقى التحدي الأساسي أمام أوروبا هو الموازنة بين طموح الاستقلال الطاقوي والحفاظ على استقرار اقتصادي واجتماعي في مرحلة انتقالية محفوفة بالضغوط.
