الجمعة 28 نوفمبر 2025

الجزائر بين ضغوط الجغرافيا ورهانات ترامب … مساهمة لمروان الشيباني

تم التحديث في:
بقلم: مروان الشيباني
الجزائر بين ضغوط الجغرافيا ورهانات ترامب … مساهمة لمروان الشيباني

في حوار مطوّل جمع الدبلوماسي الجزائري المخضرم صبري بوقادوم مع مركز “ستيمسون” ( Stimson Center), في العاصمة الأمريكية، ظهر خطابٌ جزائريّ هادئ في لهجته، واثق في حساباته، وأبعد ما يكون عن تقلبات اللحظة السياسية التي تعيشها المنطقة.

ما طرحه بوقادوم لم يكن مجرد استعراض دبلوماسي، بل قراءة استراتيجية لبلد يقف عند تقاطع العواصف: حدودٌ ملتهبة، فضاء ساحلي (الساحل الإفريقي) هش، يسجّل سنوياً أكثر من 1800 حادث أمني، تحولات اقتصادية داخلية عميقة، وشراكة مع قوة عالمية لا تتوقف عن إعادة تعريف أولوياتها.

أول ما يلفت في تصريحات بوقادوم هو الوعي الكامل بحجم التحديات الجغرافية التي لا يمكن للجزائر الفكاك منها. قال بوضوح: “لا تنسوا أن الجزائر أكبر بلد في إفريقيا والمتوسط والعالم العربي”، ثم أضاف رقماً ذا دلالة: “لدينا سبعة آلاف كيلومتر من الحدود… وهذا تحدٍ داخلي وخارجي في وقت واحد”.

والواقع أن الحدود الجزائرية تمتد اليوم فعلياً على أكثر من 6,385 كيلومتراً مع سبع دول، ما يجعلها من أطول الحدود البرية في القارة.

بهذه العبارة يختصر الوزير السابق جوهر الإشكال الأمني الجزائري: دولة مترامية الأطراف في جوار مضطرب، وكلّ ما يحيط بها من ليبيا إلى مالي والنيجر يشبه حزاماً من الأزمات التي لا يمكن تجاهلها ولا يمكن التورط فيها بالكامل.

ورغم أن الجزائر تتعامل تاريخياً مع محيطها انطلاقاً من مبدأ عدم التدخل، إلا أنّ بوقادوم ذكّر بدور بلاده في الوساطة الإقليمية، خصوصاً في مالي، قائلاً: “نحن من رعى اتفاق السلام في مالي… ومنذ عقود نقوم بدور المهدّئ في المنطقة”.

وقد كان يشير هنا إلى اتفاق السلم والمصالحة الموقع سنة 2015، وهو الاتفاق الذي ما تزال الجزائر تتابع تنفيذه عبر آلية دولية تشرف عليها.

لكن الأهم هو تحليله لسبب تدهور الوضع الساحلي: اختفاء التجارة التقليدية، انغلاق الحدود بعد اكتشاف النفط في سبعينيات القرن الماضي، وانهيار الروابط الاقتصادية والاجتماعية بين الشعوب التي كانت تربط الصحراء الكبرى ببعضها.

بالنسبة له، الأزمة ليست أمنية فقط، بل حضارية واقتصادية: شبكات تاريخية انقطعت، فحلّت محلها الفوضى والسلاح والتهريب الذي تشير التقديرات إلى أنّ قيمته السنوية في المنطقة تتجاوز 1.2 مليار دولار بمختلف أصنافه.

وفي السياق الحدودي، شدّد بوقادوم على أن المشهد أكثر تعقيداً مما يراه المراقبون من بعيد. فالهجرة غير النظامية التي ارتفع معدلها في السنوات الأخيرة بنسبة تفوق %35، والجماعات المسلحة، وتهريب السلاح الذي أحبطت الجزائر منه أكثر من 1200 عملية خلال أقل من عقد، وغياب الدولة في بعض مناطق الساحل، كلها ملفات تُدار يومياً من داخل الجزائر، لا من خلال بيانات دبلوماسية.
ولذلك قال بلغة صريحة: “علينا أن نكون نحن من يحلّ هذه المشاكل… فلا أحد سيقوم بذلك بدلاً عنا”.

أما في علاقتها بالولايات المتحدة، فقد قدّم بوقادوم سردية جديدة تستند إلى الندية الواقعية، لا إلى الاصطفاف أو المجاملة.

تحدّث عن “مرحلة جديدة” في العلاقات الثنائية، وعن توقيع “اتفاق غير مسبوق للتعاون الدفاعي”، وهو اتفاق تزامن مع ارتفاع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى أكثر من 4 مليارات دولار سنوياً.

لكنه شدّد في الوقت نفسه على استقلالية القرار الجزائري. الشراكة هنا ليست تنازلاً، بل بحثاً عن نقاط تلاقي تخدم الطرفين في محيط إقليمي بالغ الحساسية.

يظهر من حديثه أنّ الجزائر تُدرك تماماً كيف توازن بين بناء علاقة استراتيجية مع واشنطن وبين الاحتفاظ بموقعها التقليدي في السياسة الدولية: غير منحازة، سيادية، وتبحث عن شراكات، لا عن تبعية.

وهذا ما فهمته الإدارة الأمريكية جيداً، خاصة مع صعود دور الجزائر في ملفات الساحل وفي فراغ أمني كبير خلّفه انسحاب 3,000 جندي فرنسي من مالي سنة 2022، وفي ملفات الطاقة والأمن الإقليمي.

في الحوار كلّه، كان “بوقادوم” يراوح بين الواقعية والشعور بالمسؤولية التاريخية: بلد خرج من استعمار دام 132 سنة، يحاول بناء نموذج سياسي واجتماعي جديد تحت عنوان “الجزائر الجديدة”، ويتعامل في الوقت ذاته مع ضغوط قاسية على حدوده الجنوبية والغربية.

وفي كل ذلك، يكرّر فكرة أساسية: أن الإصلاح الداخلي لا ينفصل عن محيط خارجي مضطرب، وأن الأمن القومي الجزائري يبدأ من عمق الساحل.

في النهاية، قد يختلف المراقبون حول مقاربة الجزائر للملف الساحلي، أو حول اندفاعها نحو شراكة أكبر مع الولايات المتحدة، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن كلام “بوقادوم” يكشف رؤية متكاملة: دولة تدرك موقعها، وتهتم بمصالحها، ولا تستسلم لضغوط الجغرافيا، بل تحاول جعلها رصيداً استراتيجياً بدلاً من أن تكون عبئاً دائماً.

رابط دائم : https://dzair.cc/73we نسخ

اقرأ أيضًا