في عالم يتجه نحو مزيد من الاستقطاب والتوترات الجيوسياسية، يبرز احتمال المواجهة بين و كأحد أبرز السيناريوهات التي قد تعيد تشكيل موازين القوى الاقتصادية والأمنية عالميًا. وبينما تتركز بؤر التوتر في منطقة الخليج العربي، فإن تداعيات أي صراع محتمل لن تظل حبيسة الجغرافيا، بل ستمتد آثارها إلى مختلف مناطق العالم، بما في ذلك دول المغرب العربي، وعلى رأسها .
لقد أدركت الجزائر، بحكم تجربتها التاريخية وموقعها الاستراتيجي، أن التكيف مع الأزمات الدولية لا يكون بردود الفعل، بل بالاستباق والتخطيط بعيد المدى. فمن الناحية السياسية، تبنت الجزائر عقيدة دبلوماسية قائمة على عدم الانحياز، والدفاع عن الحلول السلمية، وهو ما يمنحها هامشًا واسعًا للحفاظ على توازن علاقاتها الدولية، بعيدًا عن الاستقطابات الحادة التي قد تفرضها الصراعات الكبرى.
اقتصاديًا، قد تحمل الأزمات الدولية في طياتها مفارقة تجمع بين التحديات والفرص. فارتفاع أسعار الطاقة نتيجة اضطراب الإمدادات العالمية قد يعزز من مكانة الجزائر كمورد موثوق، خاصة عبر شركة ، التي تمثل العمود الفقري للاقتصاد الوطني. وفي المقابل، تظل الجزائر، كغيرها من الدول المرتبطة بالسوق العالمية، عرضة لتقلبات أسعار المواد الغذائية وارتفاع تكاليف الاستيراد، مما يفرض تحديات إضافية على الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
وفي هذا السياق، برز الأمن الغذائي كخيار استراتيجي لا يقل أهمية عن الأمن العسكري. فقد شرعت الدولة في تجسيد مشاريع زراعية كبرى، خاصة في المناطق الجنوبية، مع توسيع المساحات المسقية وتشجيع الاستثمار في الزراعات الاستراتيجية. كما تم تعزيز قدرات التخزين وتطوير منظومات النقل والإمداد، في خطوة تهدف إلى تقليص التبعية للأسواق الخارجية، وترسيخ أسس السيادة الغذائية.
إن الرهان الحقيقي في مواجهة الأزمات لا يكمن فقط في قدرات الدولة، بل أيضًا في وعي المجتمع. فالسلوك الاستهلاكي المسؤول، وتجنب التبذير، والتحلي بالثقة في المؤسسات الوطنية، تمثل عناصر أساسية في تعزيز الاستقرار الداخلي. فالأزمات، مهما كانت حدتها، تتحول إلى فرص عندما تتوفر الرؤية الواضحة والإرادة الجماعية.
لقد أثبتت الجزائر، عبر مسارها التاريخي وتجربتها في إدارة التحولات، أنها دولة قادرة على التكيف مع المتغيرات الدولية، مستندة إلى مؤسسات قوية، واقتصاد متنوع في طور التحول، وشعب واعٍ بتحديات المرحلة. وفي ظل عالم تتسارع فيه الأزمات، يبقى الحياد الاستراتيجي وتعزيز السيادة الغذائية خيارًا سياديًا، يؤكد أن قوة الدول لا تقاس فقط
