ألقى اليو رئيس الجمهورية، عبد المجيد تبون، كلمة خلال قمة لجنة العشرة للاتحاد الإفريقي المعنية بإصلاح مجلس الأمن، ألقاها الوزير الأول سيفي غريب.
وفي التالي نص الكلمة كاملةً:
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين
صاحب الفخامة جوليوس مادا بيو (Julius MAADA BIO)، رئيس جمهورية سيراليون،
ومنسق لجنة العشرة للاتحاد الإفريقي المعنية بإصلاح مجلس الأمن الأممي،
أصحاب الفخامة والمعالي، رؤساء الدول والحكومات،
السيد رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي،
السيدات والسادة الكرام،
يطيب لي، بدايةً، أن أتوجه بأصدق عبارات الشكر لجمهورية سيراليون الشقيقة، بصفتها رئيسة لجنة العشرة للاتحادالإفريقي المعنية بإصلاح مجلس الأمن على جهودها المخلصة والدؤوبة في سبيل ترقية المقاصد النبيلة للجنتنا هذه، والتي تهدف إلى توحيد صوت إفريقيا وتعزيز مكانتها على الساحة الدولية.
ونتطلع اليوم إلى تعزيز وتفعيل هذه المساعي على نحو مثـمرٍوجادّ من خلال مخرجات قمتنا هذه، والتي تعتبر سانحةً لتقييم مسارنا التفاوضي الجماعي، ولتكييف إستراتيجية عملنا وفقا للتطورات التي يشهدها السياق الدولي، فضلاً عن تجديد طاقاتنا وجهودنا المشتركة من أجل البلوغ الفعلي للأهداف المسطرة، والرامية أساسا إلى الإصلاح العادل والشامل لمجلس الأمن الأممي.
السيدات والسادة الكرام،
إن ما يعصف بعالمنا اليوم من تصاعد مقلق للصراعات وتزايد بؤر النزاعات، يقابله -للأسف- عجز مؤسسي واضح يَشُلّ فاعلية المنظومة الأممية. وهذا الواقع يُضعف ثقة المجتمع الدولي في القانون الدولي ويكرّس إزدواجية المعايير، بل ويُعيد إحياء منطق القوة على حساب قيم العدالة والتعاون والمساواة. وجميع هذه المشاهد ليست سوى أدلة أخرى على صحة تحذيراتنا المتكررة، وبرهانًا ساطعًا على ضرورة الإصلاح الذي ما فتئنا ندعو إليه، ليكون مجلس الأمن أداةً للسلام للجميع، لا أداةً للهيـمنة والنفوذ.
ولا تنفصل هذه التحديات عما تشهده قارتنا الإفريقية اليوم من أوضاع بالغة التعقيد، حيث تتخذ التهديدات الأمنية أبعاداً خطيرة، تتفاقم مع احتدام التدخلات الخارجية وتصادم أجنداتها، وهو ما أدى إلى تراجع غير مسبوق في حالة السلم والاستقرار على المستوى القاري.
وتواجه إفريقيا نصيبا كبيراً من الأزمات المتشابكة، بدءاً من استفحال آفتَيْ الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، مروراً بتفشي بؤر التوتر والنزاعات، وصولاً إلى ظاهرة التغييرات غير الدستورية للحكوماتـ وما يرافقها من عدم الاستقرار وتحديات الحوكمة.
من هذا المنظور، وإن كُنَّا ندرك تمام الإدراك عمق التحديات وخطورتها، فإننا نجتهد لتكون هذه الأوضاع حافزاً لتجديد العزم وتوحيد الإرادة، إذ أن مساعينا اليوم تتزامن مع دعم دولي غير مسبوق للموقف الإفريقي الموحد، وهو ما يقتضي منا جميعا العمل بحزم لترجمة هذا التأييد إلى إرادة دولية فاعلة تسهم في الوصول إلى غاياتنا الـمُسطّرة.
وقد أضحى من البديـهي أن تحتل قارتنا الإفريقية المكانة التي تستحقها في مجلس الأمن الأممي، انطلاقاً من مكانتها الجيوسياسية ووزنها الاقتصادي ومساهماتها الحضارية. كماأن تحقيق هذا المسعى ليس مِنَّـةً أو هبة، بل هو حقٌ تاريخي وعدالةٌ تَأَخَّر تحقيقها وإجـحاف وجب تصحيحه. وقد باتت دولنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، مؤهلةً لتقديم حلول فاعلة وللاضطلاع بمسؤولياتها الكاملة في صنع السلام، لا سيما وأن معظم القضايا المطروحة على طاولة مجلس الأمن تخصّأمن إفريقيا واستقرارها.
السيدات والسادة الكرام،
لقد قطعت لجنتنا أشواطاً هامة لبلوغ أهدافها، لعل أهمها يكمن في اعتماد منظمتنا الإفريقية لنموذج إفريقي يجسّد بإخلاصٍ مطالب قارتنا العادلة والمشروعة، ويعكس بصدق الموقف الإفريقي المشترك، خصوصا وأن دول إفريقيا لطالما كانت الأقل تمثيلاً في فئة الدول ذات العضوية غير الدائمة.
مع اعتمادنا لهذا النموذج، تعيّن علينا التحلي بأعلى درجات اليقظة والحذر، إذ أنه وإن كان جوهر نموذجنا يتوافق تماما مع الموقف الإفريقي المشترك، فإن التحدّي يكمن في إدارة المرحلة التي تلي اعتماده وتقديمه في إطار المفاوضات الحكومية الدولية تحت قبة الأمم المتحدة.
وفي هذا الشأن وجب علينا أن نؤكد بقوة على أن المفاوضات الحكومية الدولية، تحت مظلة الجمعية العامة، ينبغي أن تظل الإطار الوحيد والشرعي لهذه العملية، مع التزام الحذر حيال كل محاولة قد تسعى لعرقلة هذا المسار أو التخلي عنه، خاصة مع تزايد النزعة الانفرادية في المجتمع الدولي، وتراجع الاعتماد على العمل المؤسسي والإضعاف المستـمر للمنظمة الأممية.
وفي هذا الصدد، فإنني أدعو كل الأشقاء الأفارقة إلى تكثيف وتعبئة الجهود اللازمة حتى تستند المفاوضات الـمُقبلة إلى إطار عمل عام 2015 الذي يشكل وثيقة مرجعية تعكس مواقف ومقترحات ما يقارب 120 دولة عضو في الأمم المتحدة، بما في ذلك الموقف الإفريقي الموحد، مع العمل على التصدي لمختلف المحاولات الرامية لتقويض عملية الإصلاح أو عرقلتها أو حتى لإضعاف المواقف وتفريق مؤيديهم.
ومن جهة أخرى، يجب علينا أن نواصل توحيد صفنا وكلمتنا على الساحة الدولية مع الالتزام باحترام قرارات الاتحاد الأفريقي ذات الصلة وإخلاصنا للمجموعة الإفريقية، خاصة بعدم الانخراط في مجموعات المصالح الأخرى، حتى نتكلم بصوت واحد، إلى أن تتم الاستجابة لـمتطلبات الموقف الأفريقي الموحد.
السيدات والسادة الكرام،
ختاما، وإذ أجدد التزام بلادي الراسخ بالعمل الجماعي في إطار لجنة العشرة والدفاع عن الموقف الإفريقي الموحد على النحو المعبَّـر عنه في “إعلان سِرْت” والمتفق عليه في إطار “توافق إيزيلويني”، فإننا نؤكد مواصلة العمل بلا هوادة لإعلاء صوت قارتنا والاستجابة لمطالبها المشروعة ورفع الظلم التاريخي الذي تعرضت له، وكلنا ثقة وأمل بأن قمتنا هذه ستسهم في تعزيز وحدة الصف الإفريقي وبناء نظرة شاملة وإيجاد حلول جماعية تُعزز الأمن والسلم في قارتنا وتعيد الثقة في التعددية الفاعلة والمتوازنة على المستوى الأممي.
