السبت 28 فيفري 2026

الرسالة التي حاولت بها إسبانيا طيّ ملف الصحراء الغربية ولم تُنهِ مسؤوليتها القانونية

نُشر في:
الرسالة التي حاولت بها إسبانيا طيّ ملف الصحراء الغربية ولم تُنهِ مسؤوليتها القانونية

قبل خمسين عامًا، وتحديدًا في 26 فبراير 1976، وجّهت حكومة إسبانيا رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك كورت فالدهايم تُبلغه فيها بإنهاء وجودها الإداري في الصحراء الغربية. أرادت مدريد من خلال تلك الرسالة أن تطوي الصفحة رسميًا وأن تتنصل من أي مسؤولية لاحقة تجاه الإقليم. لكن بعد نصف قرن، لا تزال الآثار القانونية والسياسية لذلك القرار تلقي بظلالها على أحد أطول النزاعات في أفريقيا.

انسحاب دون استفتاء

الرسالة أعلنت انتهاء الإدارة الإسبانية للإقليم من دون تنظيم استفتاء تقرير المصير الذي كانت الأمم المتحدة قد وعدت به الشعب الصحراوي ضمن مسار تصفية الاستعمار. عمليًا، سعت مدريد إلى الخروج السريع من الإقليم في سياق داخلي مضطرب مع احتضار نظام فرانكو، وضغوط إقليمية متصاعدة.

ففي نوفمبر 1975، وقّعت إسبانيا مع المغرب وموريتانيا ما عُرف باتفاقيات مدريد، التي نقلت بموجبها إدارة الإقليم — لا السيادة — إلى البلدين. غير أن الأمم المتحدة لم تعترف بهذه الاتفاقيات كآلية قانونية مكتملة لتصفية الاستعمار، واعتبرت أن الصحراء الغربية لا تزال إقليمًا غير متمتع بالحكم الذاتي بانتظار استكمال مسار تقرير المصير.

فراغ قانوني وصراع مفتوح

في اليوم نفسه الذي أُنزل فيه العلم الإسباني في العيون، أعلنت جبهة البوليساريو قيام الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية من مخيمات تندوف، لتبدأ مرحلة جديدة من النزاع المسلح مع المغرب وموريتانيا.

غير أن الرسالة الإسبانية لم تُنهِ الجدل القانوني. فعدد من فقهاء القانون الدولي يعتبرون أن إسبانيا لا تستطيع التنصل أحاديًا من صفة “القوة المديرة” قبل استكمال عملية تصفية الاستعمار وفقًا لميثاق الأمم المتحدة. فهذه الصفة ترتب التزامات واضحة، من بينها تمكين السكان من ممارسة حقهم في تقرير المصير.

بين الواقع الميداني والنص القانوني

بعد خمسين عامًا، يسيطر المغرب على نحو 80 في المئة من الإقليم، فيما تبقى مناطق شرق الجدار الدفاعي تحت سيطرة البوليساريو. ومنذ نشر بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية عام 1991 عقب وقف إطلاق النار، لم يُنظم الاستفتاء الذي كان يفترض أن يحسم الوضع النهائي.

وتصرّ الرباط اليوم عن مقترح “الحكم الذاتي” تحت “سيادتها” المزعومة باعتباره “الحل الواقعي”، بينما يدافع البوليساريو على استفتاء يتضمن خيار الاستقلال. وبين الطرحين، يظل المسار الأممي متعثرًا، وتبقى الصحراء الغربية مدرجة على قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي لدى الأمم المتحدة.

مسؤولية تاريخية ونقاش متجدد

في عام 2022، دعمت الحكومة الإسبانية رسميًا مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره “الأكثر جدية وواقعية”، في تحول دبلوماسي أثار جدلًا واسعًا وأعاد طرح سؤال المسؤولية التاريخية لإسبانيا.

كما سبق للوكالة الوطنية الإسبانية أن أشارت في أحد قراراتها إلى أن التزامات إسبانيا كقوة مديرة لم تُحسم قانونيًا بشكل نهائي، مستندة إلى أحكام ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة المادة 73 المتعلقة بالأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.

نزاع لم يُغلق

الرسالة التي وُجهت إلى فالدهايم أنهت وجودًا إداريًا، لكنها لم تُنهِ نزاعًا سياسيًا ولا وضعًا قانونيًا معقدًا. فحتى اليوم، لم يُستكمل مسار تصفية الاستعمار وفق المعايير الأممية، ولم يُنظم استفتاء يحدد مستقبل الإقليم بشكل نهائي.

وهكذا، تبقى الصحراء الغربية إحدى أعقد قضايا النظام الدولي المعاصر: ملفًا بدأ كمسألة إنهاء استعمار، وتحول إلى صراع إقليمي ممتد، وما زال ينتظر تسوية توازن بين الوقائع الميدانية ومتطلبات الشرعية الدولية.

رابط دائم : https://dzair.cc/inub نسخ

اقرأ أيضًا