الأحد 01 فيفري 2026

الصحراء الغربية: الصمود شكلٌ من أشكال المقاومة

نُشر في:
الصحراء الغربية: الصمود شكلٌ من أشكال المقاومة

بقلم: خوسيه ماريا رودريغيث نونييث

في مطلع شهر ديسمبر من هذا العام، عدتُ إلى الصحراء بعد غياب دام خمسين سنة. كانت زيارتي الأولى في إطار خدمتي العسكرية الإلزامية ضمن الجيش الإسباني، حين وجدتُ نفسي شاهداً على ما عُرف آنذاك بـ«المسيرة الخضراء»، والتي يسميها الصحراويون، وعن حق، «المسيرة السوداء». في تلك اللحظة التاريخية، بدأت عملية الاحتلال المغربي لأرضٍ كان من المفترض أن نقوم بحمايتها إلى غاية تصفية الاستعمار منها. اليوم، أعود لا بصفتي جندياً، بل شاهداً مدنياً على صمود شعب لاجئ، يعيش في مخيمات أقيمت في جنوب غرب الجزائر، مخيمات لم تكن لتوجد لولا خيانة سياسية وتاريخية لشعب كان يحمل، في زمن غير بعيد، نفس الجنسية والوثائق التي كنتُ أحملها أنا.

بعد رحلة جوية ليلية شاقة إلى تندوف، انطلقنا فجراً نحو مخيم السمارة. الطريق يقطع «الحمادة»، وهي واحدة من أقسى المناطق الصحراوية على وجه الأرض. هناك، وسط أرض قاحلة بلا ماء ولا شجر، شُيّدت مدينة من الخيام والمساكن الطينية، تحمل أسماء المدن الصحراوية الأصلية: السمارة، العيون، الداخلة… مدنٌ اضطر أهلها إلى مغادرتها هرباً من القصف الجوي والمجازر التي رافقت الغزو المغربي. المشهد صادم وقاسٍ، لكن ما يلفت النظر أكثر هو قدرة هذا الشعب على إعادة بناء حياة جماعية منظمة وسط العدم.

أقمتُ لدى عائلة صحراوية كانت قد أعادت نصب خيمتها من جديد بعد أن دمرت أمطار سنة 2024 مساكنها الطينية. داخل الخيمة، تختلط اللغة الإسبانية بالحسانية، ويُحضَّر الشاي وفق طقوس دقيقة ومتأنية، في تعبير عميق عن التشبث بالهوية والكرامة، رغم الفقر وقسوة الظروف المناخية.

خلال الأيام التالية، زرتُ نماذج متعددة من المقاومة اليومية التي لا تحمل السلاح، لكنها لا تقل شجاعة. من بينها مكتبات «بوبشير» المنتشرة في المخيمات، والتي تشرف عليها شابات صحراويات بدعم من متطوعين دوليين. هذه المكتبات ليست مجرد فضاءات للقراءة، بل أدوات للحفاظ على الذاكرة الجماعية، وترسيخ اللغة، ومقاومة النسيان.

كما التقيتُ بـ«كاسترو»، وهو عامل صحي صحراوي تلقى تكوينه في كوبا، ويشرف على مركز لتأهيل وإدماج الأشخاص ذوي الإعاقات. في هذا المركز المتواضع، تُقدَّم العلاجات الأساسية وتُوزَّع الأدوية بالإمكانات المتاحة، وبإرادة إنسانية استثنائية. على باب المركز كُتبت عبارة مؤثرة: «هنا لا تنمو الأشجار، لكن البشر يزدهرون».

في مجال التعليم، لاحظتُ إصراراً لافتاً على ضمان حق الأطفال في التعلم، رغم النقص الحاد في الموارد. في رياض الأطفال والمدارس الابتدائية، يعمل معلمون أكفاء في ظروف صعبة، لكن بروح عالية ومسؤولية كبيرة. الأطفال يتعلمون القراءة والكتابة، ويشاركون وجبة خفيفة تؤمّنها جمعيات التضامن الدولية، في جو من الانضباط والهدوء يثير الإعجاب.

كما التقيتُ بـناجلة، وهي شابة صحراوية عادت من الولايات المتحدة، حيث كانت تتابع دراستها، لتطلق مشروعاً ثقافياً موجهاً في البداية للفتيات، ثم للفتيان، يهدف إلى تشجيع القراءة باعتبارها أداة للتحرر وبناء الوعي. أطلقت على مشروعها اسم «المسار»، في إشارة واضحة إلى قناعتها بأن المعرفة طريق أساسي نحو الحرية.

بعيداً عن المشاريع الثقافية والتعليمية، قادتني مرافقَتي سلمى إلى منازل تعيش فيها عائلات في أوضاع شديدة الهشاشة: بيوت تفتقر إلى الحد الأدنى من التجهيزات، وأسر تعيش على المساعدات الإنسانية، لكنها تستقبل الزائر بكرم إنساني مؤثر. التقيتُ بمرضى، وأطفال يعانون من إعاقات جسدية وعقلية ثقيلة، من بينهم الطفلة «باكينة»، المصابة بالشلل الدماغي، والتي تحتاج إلى رعاية دائمة في ظروف تكاد تنعدم فيها الوسائل الطبية. في مثل هذه الحالات، تصبح المبادرات الفردية وبرامج مثل «عطلات في سلام» شريان حياة حقيقياً، خاصة في ظل تقاعس السياسات الرسمية الإسبانية عن تحمل مسؤولياتها التاريخية منذ عقود.

قد يعود الزائر بانطباع مفاده أن الحياة في مخيمات اللاجئين الصحراويين حياة بائسة، وهذا صحيح إلى حدٍّ ما. لكنها في الوقت نفسه نتيجة نضال طويل لتحسين شروط العيش لشعب اقتُلع من أرضه بالقوة قبل خمسين عاماً، وما يزال يتمسك بحقه المشروع في العودة، رغم قسوة النظام الدولي، وتواطؤ القوى الغربية، وصمت المجتمع الدولي.

يبدو أن الخطأ الوحيد الذي اقترفه الشعب الصحراوي هو أنه وُلد فوق أرضٍ تفوق أطماعُ الآخرين فيها حقَّ أصحابها الشرعيين.

في الصحراء الغربية، الصمود ليس مجرد خيار… بل هو شكلٌ يومي من أشكال المقاومة.

رابط دائم : https://dzair.cc/diuj نسخ

اقرأ أيضًا