الأربعاء 18 فيفري 2026

«الصحراء لا تُباع».. مدريد تُحرِج نفسها: ازدواجية فاضحة في خطاب إسبانيا وفضيحة أخلاقية في ملف الصحراء الغربية

نُشر في:
«الصحراء لا تُباع».. مدريد تُحرِج نفسها: ازدواجية فاضحة في خطاب إسبانيا وفضيحة أخلاقية في ملف الصحراء الغربية

على وقع هتافات «الصحراء لا تُباع»، استُقبل وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس في أثينا الفكر الإسباني—الأتينيو بمدريد—ليس كضيف حوار، بل كرمز لسياسة خارجية فقدت بوصلتها الأخلاقية. احتجاجٌ سلميٌّ لكنه شديد الدلالة، نقل إلى قلب العاصمة الإسبانية غضبًا متراكمًا منذ خمس سنوات من انقلاب مدريد على موقفها التاريخي والقانوني من قضية الصحراء الغربية.

المحتجّون، المنتمون إلى حركة الدفاع عن الأسرى السياسيين الصحراويين، لم يأتوا بشعارات عابرة، بل باتهامات جوهرية: انحيازٌ فجٌّ للأطروحة المغربية، وتخلٍّ مريب عن مسؤولية إسبانيا كقوة إدارية «بحكم القانون» لإقليم لم يُستكمل مسار تصفيته الاستعمارية وفق قرارات الأمم المتحدة. شعارات مثل «الحرية للصحراء» و«الحرية للأسرى الصحراويين» لم تكن مجرد صدى غضب، بل محاكمة علنية لخطاب رسمي يدّعي احترام القانون الدولي بينما يدهسه في أول اختبار حقيقي.

المفارقة التي فضحتها الوقفة الاحتجاجية تتجاوز لحظة الاستقبال. فوزير الخارجية ذاته يقدّم نفسه مدافعًا عن «النظام الدولي القائم على القواعد» في أوكرانيا وغزة، ويُحذّر من «قانون الغاب» وشرعنة الاحتلال، لكنه يلتزم صمتًا مريبًا حين يتعلق الأمر بالصحراء الغربية. هذا الصمت ليس نسيانًا، بل اختيارٌ سياسيٌّ واعٍ، يُحوِّل القيم إلى أدوات انتقائية، ويُفرغ خطاب «الشرعية الدولية» من مضمونه.

وزاد الطين بلّة ما أقدمت عليه مؤسسات تابعة لوزارة الخارجية، حين أدرجت المتحدثين بالإسبانية في الأراضي الصحراوية المحتلة ضمن الإحصاء الثقافي للمغرب، خطوةٌ رأى فيها الصحراويون والبوليساريو محاولةً مكشوفة لتطبيع الاحتلال ثقافيًا، وتذويب هوية إقليم مُحتل في حسابات سياسية ضيقة.

وحين انتهى اللقاء، اختار ألباريس مغادرة القاعة من باب جانبي، هروبًا من مواجهة أسئلةٍ لا تريد الحكومة الإسبانية سماعها: كيف تُدين مدريد الاحتلال هنا وتُباركه هناك؟ وكيف تتحدث عن السلام والعدالة، بينما تُغضّ الطرف عن الاعتقال التعسفي والمحاكمات الجائرة والتعذيب الموثّق ضد نشطاء صحراويين، وفي مقدمتهم معتقلو «اكديم إيزيك»؟

الاحتجاج، وإن كان عابرًا في الزمن، إلا أنه كشف أزمة عميقة في السياسة الخارجية الإسبانية: أزمة مصداقية قبل أن تكون أزمة موقف. فالصحراء الغربية ليست تفصيلاً يمكن تجاوزه بخطابٍ دبلوماسي منمّق، بل اختبارٌ أخلاقيٌّ وقانونيٌّ لإسبانيا نفسها. وكل محاولة للهروب من هذا الاختبار لن تُنقذ الحكومة من حقيقة واحدة تتردّد اليوم في شوارع مدريد: الصحراء لا تُباع… والشرعية لا تتجزأ.

رابط دائم : https://dzair.cc/pkmp نسخ

اقرأ أيضًا