ما يجري في المغرب لم يعد يُختزل في فيضانات أو اختلالات مناخية، بل أصبح فضيحة حكم مكتملة الأركان. فضيحة يتحمل مسؤوليتها نظام المخزن، من القصر إلى الحكومة، ومن الولاة إلى الأجهزة، نظام اختار منذ سنوات أن يُحوّل الكوارث إلى أدوات ضبط، وأن يجعل من معاناة المواطنين المغاربة مادةً خامًا لإعادة إنتاج سلطته.
الحديث عن “سوء الأحوال الجوية” ليس سوى ستار دخاني. الحقيقة أبسط وأقسى: الدولة غائبة لأن المخزن حاضر. القرارات الكبرى لا تُتخذ في البرلمان، ولا في الحكومة، ولا حتى في المؤسسات المنتخبة شكليًا، بل في دوائر مغلقة حول القصر، حيث تُدار البلاد بمنطق الولاء وليس الكفاءة، وبمنطق الصورة لا الوقاية.
حين تغرق مناطق مثل القصر الكبير أو غيرها، لا نرى وزراء يتحمّلون المسؤولية، ولا محاسبة، ولا لجان تحقيق مستقلة. نرى فقط بلاغات صادرة عن حكومة عزيز أخنوش، حكومة لا تحكم بل تُنفّذ، لا تُخطط بل تُبرر، حكومة وُجدت لتدبير اليومي وحماية مصالح فئة ضيقة مرتبطة بالسلطة والثروة. رئيسها، رجل الأعمال قبل أن يكون رجل دولة، لا يرى في الكارثة سوى “حدث عابر”، لأن نظام الامتيازات الذي ينتمي إليه لا يتأثر بالفيضانات.
أما وزارة الداخلية، ذراع المخزن الثقيلة، فهي حاضرة فقط لضبط المشهد: تطويق، منع، تحكم في المعلومة، وإدارة إعلامية للأزمة. لا أحد يسأل: من رخص بالبناء في مجاري الأودية؟ من تجاهل تقارير الخبراء؟ من بدّد الأموال العمومية في مشاريع بلا روح ولا رؤية؟ لأن الجواب معروف، ولأن المساءلة خط أحمر حين تقترب من دوائر القرار الحقيقي.
الملك، بصفته رأس النظام، لا يمكن فصله عن هذا النموذج. فالمخزن ليس انحرافًا عن الدولة، بل هو الدولة كما صُممت: مركزية خانقة، سلطات مطلقة، غياب ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتقديس للاستقرار الوهمي على حساب حياة الناس. حين يغيب التخطيط الاستراتيجي، وحين تُحتكر السلطة، تصبح الكوارث قدرًا متكررًا لا استثناءً.
الأخطر أن المأساة تُستغل. بعد كل فيضان، يبدأ الحديث عن “إعادة الإيواء”، عن “نزع الملكية”، عن “مناطق غير صالحة للسكن”. تُدفع الأسر الفقيرة إلى الهامش، بينما تُفتح شهية المضاربين والعقاريين المرتبطين بمراكز النفوذ. هنا لا نتحدث عن فشل، بل عن نموذج افتراس يستثمر في الألم.
المخزن يريد من المغاربة أن يصدقوا أن المشكلة في السماء، بينما المشكلة في الأرض ومن يحكمها. يريدهم أن يتعاطفوا مع دولة لا تحميهم، وأن يصمتوا أمام سلطة لا تُحاسَب. لكن الماء، كما التاريخ، لا يُجامل. وكل فيضان جديد لا يُغرق القرى فقط، بل يُغرق معها الرواية الرسمية، ويكشف أن المغرب لا يعاني من غضب الطبيعة، بل من نظام يرفض أن يتغير.
