تشهد الساحة المغربية هذه الأيام سلسلة من الأحداث المتلاحقة التي تُظهر بوضوح هشاشة الدولة في حماية المواطنين، وتجعل من خطابات “السلامة والخدمات” مجرد كلمات خاوية لا تقابلها أفعال على أرض الواقع. فبينما يتصدر الطقس القاسي المشهد — من فيضانات وعواصف مطرية قوية وتساقط ثلوج في بعض المناطق — إلى جانب حوادث طرق دامية واضطرابات حياتية، تبقى الدولة بسلطاتها المتعددة غير قادرة على الوقوف إلى جانب ساكنتها وتأمين سلامتها الأساسية.
أولاً، أصدرت المديرية العامة للـ مُناخ بالمغرب تنبيهات من أحوال جوية خطيرة تشمل أمطارًا غزيرة، وتساقط ثلوج ورياحًا قوية في عدد من الأقاليم، وهو ما يُشكّل تحدياً لسلامة الناس والبنى التحتية خصوصاً في المناطق الحضرية والقرى المعزولة.
هذا الطقس المتطرف يتطلب استعدادات استباقية معتبرة، لكن ما نراه بدلاً من ذلك هو عشوائية في التخطيط وعدم قدرة على إدارة المخاطر الطبيعية بما يحمي الأرواح والممتلكات، وهو ما ينعكس — في نهاية المطاف — على واقع الفيضانات التي سبقت موجة الأمطار الحالية في العديد من المدن.
في هذا السياق، تتكرر حوادث الطرق القاتلة بشكل صارخ في المغرب، مما ينذر بفشل منظومة السلامة المرورية، التي يفترض أن تكون أحد أهم اهتمامات السلطات. في السنوات الأخيرة، بدت الطرق غير مؤهلة لاستيعاب الظروف الجوية المناخية القاسية التي يشهدها المغرب بشكل متزايد، بينما تبقى إجراءات الدولة متأخرة وغير فعالة في الوقاية والتدخل السريع.
ولا يقتصر الأمر على الطقس وحده، بل تمتد الأزمة إلى محاور اجتماعية تمس مباشرة حياة المواطنين. في ظل هذه الفوضى الطبيعية والاجتماعية، يعاني المواطن المغربي من انعدام الثقة في قدرة الدولة — ممثلة في مؤسساتها المتعددة — على ضمان سلامته الجسدية والنفسية، وهو ما يعكس خللاً بنيويًا في الأداء الحكومي وتدبير الشأن العام.
إن الفيضانات والأحوال الجوية القاسية لا تختلف كثيرًا في جوهرها عن أزمات الماء والكهرباء أو البنى التحتية التي تنهار في أول اختبار جدّي؛ فهي اختبار لقدرة الدولة على حماية شعبها، وفي كل مرة يتبين أن الاستعدادات والتجهيزات غير كافية، بل متأخرة، وتُقدَّم دائمًا على أساس ردود فعل بعد وقوع الكارثة وليس على أساس وقائي وتخطيطي.
وهذا الفشل في إدارة المخاطر الطبيعية يطرح أسئلة وجودية حول جدوى المؤسسات الأمنية والتنظيمية ومدى استجابتها لحماية الأمن المعيشي للمواطنين، وهو ما يفاقم إحساس الجماهير بعدم الإنصاف والمخاطر اليومية التي يعيشونها. إن استمرار هذا الوضع لا يُظهر فقط عجز المخزن في حماية المواطنين، بل يُعري سياسة متخبطة غير مبالية بالسلامة العامة وبالحياة اليومية للمواطن المغربي.
ختاماً، إذا لم ترتقَ الدولة إلى مستوى التحديات المناخية والاجتماعية والاقتصادية التي يواجهها الشعب، وإذا ظل أداءها رهن ردود فعل عاجلة فقط بعد وقوع الكوارث، فإن الشعب سيظل في دائرة من سوء الإدارة والتقصير، فيما تتحمل إدارة الأزمة أعباء كثيرة تتحملها الدولة وحدها.
