الثلاثاء 20 جانفي 2026

المخزن يطالب الفقراء بتدبّر أمر فقرهم: حكومة الامتيازات تخلع قناع الدولة الاجتماعية الكاذب وتكشف عن وجهها الليبرالي المتوحّش

نُشر في:
المخزن يطالب الفقراء بتدبّر أمر فقرهم: حكومة الامتيازات تخلع قناع الدولة الاجتماعية الكاذب وتكشف عن وجهها الليبرالي المتوحّش

لم يعد خطاب حكومة المخزن يثير الغضب بقدر ما يفضح حجم الاستخفاف بعقول المغاربة. فحين يخرج رئيس الحكومة ليباهي بأرقام التعاونيات، ويقدم ما يسميه «الاقتصاد الاجتماعي والتضامني» كإنجاز استراتيجي، فإننا لا نكون أمام سياسة عمومية، بل أمام عملية تزيين فجّة لفشل بنيوي عميق، عنوانه العريض: انسحاب الدولة من مسؤولياتها الاجتماعية، وتحميل الفقراء وزر فقرهم.

ما قالته النائبتان المغربيتان فاطمة التامني ونبيلة منيب داخل البرلمان لم يكن سوى ترجمة سياسية لواقع اجتماعي مرير يعيشه ملايين المغاربة. واقع تُغلق فيه أبواب الشغل القار، وتُخنق فيه المبادرة المنتجة، وتُترك فيه الفئات الهشة وحيدة في مواجهة البطالة والهشاشة وغلاء المعيشة، بينما تُطالب، بكل وقاحة، بأن «تبدع» حلولاً لفقرها عبر تعاونيات هشة ومشاريع بلا حماية ولا مواكبة.

اقتصاد اجتماعي أم تخلٍ اجتماعي؟

اختزال التنمية في أرقام عددية معزولة، كعدد التعاونيات أو المبادرات المدرة للدخل، ليس سوى هروب إلى الأمام. فالتعاونية التي تولد في بيئة يغيب فيها التمويل العادل، والتكوين الجاد، والحماية الاجتماعية، وسوق منصف، هي مشروع مؤقت للفشل، لا رافعة للتنمية. وما تروّج له حكومة المخزن ليس اقتصاداً اجتماعياً، بل تفويضاً قسرياً للبؤس: الدولة تنسحب، والسوق يفترس، والمواطن يُترك ليواجه مصيره وحيداً.

هنا بالضبط يتجلى منطق المخزن: دولة قوية حين يتعلق الأمر بالجباية والضبط والقمع، ودولة غائبة حين يتعلق الأمر بالصحة والتعليم والشغل والسكن. دولة تُجيد توزيع الخطاب، وتفشل في توزيع الثروة.

الدولة الاجتماعية.. شعار بلا مضمون

رفعت حكومة المخزن شعار «الدولة الاجتماعية»، لكنها في الواقع تواصل سياسات التفكيك والتسليع في القطاعات الحيوية. صحة عمومية تُترك للنزيف، تعليم عمومي يُدفع نحو الإفلاس، وتكوين مهني بلا أفق، في مقابل فتح المجال للرأسمال المتوحش ليحول الحقوق الأساسية إلى سلع، والكرامة إلى امتياز.

وكما نبهت نبيلة منيب، فإن تجارب دول عديدة نجحت في جعل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني خياراً استراتيجياً حقيقياً، لكن بشرط الديمقراطية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، واستثمار عمومي قوي في الإنسان قبل الحجر. أما في مغرب المخزن، فالكلام عن اقتصاد بديل يُفرغ من محتواه، لأنه يُطرح في سياق غياب العدالة، واستشراء الريع، وهيمنة قلة على الثروة والقرار.

حكومة الأغنياء وخطاب استغلال الفقراء

الأخطر في خطاب الحكومة ليس فشله، بل طابعه الأخلاقي المنحط: تحويل الفئات الهشة إلى مادة للاستغلال السياسي، وتقديم الفقر كفرصة، والهشاشة كاختيار. تُخاطَب النساء والشباب بلغة الوعظ والتحفيز، بينما تُغلق في وجوههم أبواب الشغل الكريم، ويُترك الاقتصاد الحقيقي رهينة الاحتكار والفساد وتضارب المصالح.

أي حديث عن «اقتصاد اجتماعي وتضامني» دون إعادة توزيع حقيقية للثروة، ودون دور مركزي للدولة، ودون سياسات عمومية عادلة، ليس سوى كذبة كبرى. كذبة تُستخدم لتبرير الفشل، وتطبيع البؤس، وإدامة نظام اقتصادي يخدم الأقلية ويحكم بالأوهام الأغلبية.

الفقر ليس قدراً حتمياً .. بل نتيجة سياسة

ما يجري اليوم ليس أزمة عابرة، بل نتيجة منطقية لاختيارات المخزن وحكوماته المتعاقبة: اختيارات تضع الربح فوق الإنسان، والاستقرار الشكلي فوق العدالة، والدعاية فوق الحقيقة. الفقر في المغرب ليس قدراً، بل قرار سياسي. والهشاشة ليست نتيجة كسل اجتماعي، بل ثمرة انسحاب دولة، وتغول سلطة، وصمت مؤسسات.

وإلى أن تدرك حكومة المخزن أن التنمية لا تُقاس بالأرقام المعزولة ولا بالخطب المنمقة، بل بكرامة المواطن وعدالة التوزيع، سيظل خطابها مجرد ضجيج فارغ، وستظل «الدولة الاجتماعية» شعاراً للاستهلاك، لا واقعاً للعيش.

رابط دائم : https://dzair.cc/dcgm نسخ

اقرأ أيضًا