الاثنين 12 جانفي 2026

المخزن يغسل عار الاحتلال الصهيوني ويُكرّم جنوده في المغرب: التطبيع الثقافي كأقذر وجوه الخيانة

نُشر في:
المخزن يغسل عار الاحتلال الصهيوني ويُكرّم جنوده في المغرب: التطبيع الثقافي كأقذر وجوه الخيانة

لم يعد التطبيع في المغرب يمرّ عبر القنوات الرسمية وحدها، بل صار يُسوَّق اليوم بواجهات “ناعمة” تُخفي قبح المشروع تحت أقنعة الفن والسلام والحوار الثقافي. آخر فصول هذا الانحدار الأخلاقي تمثّل في إقدام منظمة مغربية تُسمّي نفسها “Forum SALAM للفنون المعاصرة” على تكريم ناشطة صهيونية، في وقت تُرتكب فيه أبشع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حرب الإبادة المستمرة في غزة.

أن تُمنح جائزة “Coup de cœur” لناشطة صهيونية تحت عنوان “تعزيز السلام والتفاهم بين إسرائيل والمغرب”، فذلك ليس حدثاً ثقافياً بريئاً، بل فعل تطبيعي كامل الأركان، يُراد به تبييض صورة كيان استعماري إحلالي، وتحويل التطبيع من قرار فوقي مرفوض شعبياً إلى مسار مجتمعي مُعاد تدويره عبر الفن والتعليم والمشاريع “الإنسانية”.

الناشطة المُكرَّمة، عينات ليفي، قدّمت نفسها في حوار مع صحيفة “يديعوت أحرونوت” – لسان حال المؤسسة العبرية– باعتبارها جسراً بين “المجتمعات”، متحدثة عن “تقريب القلوب قبل العقول”. لكن السؤال الجوهري الذي يتجاهله هذا الخطاب المائع هو: أي قلوب يُراد تقريبها، وأي عقول يُراد تخديرها؟
هل تُقَرَّب القلوب بينما تُدفن تحت الركام قلوب أطفال غزة؟
وهل يُحتفى بالحوار الثقافي فيما تُفرض سياسة الفصل العنصري، ويُمارَس القتل اليومي، ويُغتصب حق شعب كامل في الحياة؟

الأخطر من التكريم ذاته، هو السياق الذي يجري فيه. فالمخزن، العاجز عن تسويق التطبيع سياسياً في الشارع المغربي الذي ما زال ينبض بنبض فلسطين، لجأ إلى اختراق المجال الثقافي، مستغلاً الفنون والمنتديات والمنظمات “المدنية” لتحويل التطبيع إلى فعل اعتيادي، بل إلى “قيمة إنسانية” يُفترض الاحتفاء بها. وهنا تتحول الثقافة من أداة تحرر إلى أداة تدجين، ومن فضاء مقاومة إلى منصة تلميع.

حديث عينات ليفي عن أن “كل مشروع صغير للتعاون يخلق أثراً كبيراً على المدى الطويل” ليس سوى اعتراف صريح باستراتيجية صهيونية معروفة: التغلغل الهادئ. فالمطلوب ليس إقناع الشعوب دفعة واحدة، بل تفكيك مواقفها تدريجياً، عبر مبادرات تبدو إنسانية، لكنها تصبّ في نهاية المطاف في شرعنة الاحتلال وإعادة صياغة الوعي.

أما القول إن “التقارب يبدأ من المبادرات الثقافية وليس فقط من العلاقات الرسمية”، فهو أخطر ما في الخطاب كله. لأنه يعني ببساطة نقل التطبيع من مستوى القرار السياسي المفروض إلى مستوى المجتمع، أي تحويل المواطن نفسه إلى شريك – ولو رمزياً – في جريمة التطبيع، وإلى شاهد زور على محو القضية الفلسطينية من الوجدان الجماعي.

إن تكريم ناشطة إسرائيلية اليوم، تحت لافتة السلام، ليس سوى صفعة جديدة لكرامة الشعب المغربي، الذي عبّر مراراً، وبكل وضوح، عن رفضه للتطبيع، وخرج في مسيرات مليونية نصرة لفلسطين. وهو أيضاً إساءة مباشرة لتاريخ المغرب الشعبي الذي كان – ولا يزال – منحازاً لقضايا التحرر، لا لمشاريع الاستعمار مهما تغيّرت أسماؤها.

السلام لا يُصنع مع الاحتلال، ولا يُبنى فوق جماجم الضحايا، ولا يُروَّج له بجوائز فنية بينما الطائرات تقصف والمجازر تُرتكب. السلام الحقيقي يبدأ بإنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، ومحاسبة المجرمين، لا بتكريم ناشطين يشتغلون – بوعي أو بدونه – في خدمة صورة كيان فقد كل شرعية أخلاقية.

ما جرى ليس حدثاً عابراً، بل مؤشر خطير على مرحلة يريد فيها المخزن أن يجعل من التطبيع ثقافة، ومن الخيانة رأياً، ومن الصمت فضيلة. لكن الرهان خاسر، لأن الشعوب قد تُقهَر سياسياً، لكنها لا تُهزَم وجدانياً. وفلسطين، رغم كل محاولات التزييف، ستبقى البوصلة وسيبقى التطبيع وصمة، مهما غُلّف بالفن والسلام.

رابط دائم : https://dzair.cc/avhx نسخ

اقرأ أيضًا