بينما سارعت حكومة المخزن إلى الإعلان عن برنامج دعم لمتضرري الفيضانات في بعض مناطق الشمال والغرب، تتصاعد أصوات الغضب من أقاليم شفشاون والحسيمة وتاونات التي وجدت نفسها خارج لوائح “المناطق المنكوبة”، رغم أن الوقائع على الأرض تؤكد حجم الدمار والعزلة والمعاناة.
انتقائية في إعلان “المنكوب”
حركة “الشباب الأخضر” انتقدت ما وصفته بتجاهل حكومي غير مبرر لمناطق في إقليم شفشاون وغرب الحسيمة، شهدت انهيارات منازل، وانقطاع طرق، وتساقطات ثلجية كثيفة، وعزلة مستمرة لعدد من الدواوير.
ورغم أن مرسوم رئيس الحكومة يربط إعلان المنطقة منكوبة بحجم الأضرار والخسائر الفعلية، فإن المعطيات الميدانية – بحسب الحركة – تؤكد تحقق هذه الشروط بالكامل.
الاستغراب لم يكن فقط من عدم التصنيف، بل من الرسالة السياسية التي يحملها القرار: هل صار الاعتراف بالكوارث يخضع لحسابات إدارية ضيقة بدل منطق العدالة المجالية؟
تاونات.. الإقليم المنسي
في تاونات، الصورة أكثر قتامة.
فالإقليم الذي عرف تساقطات قياسية وانجرافات أرضية خطيرة، لا يزال خارج دائرة الاعتراف الرسمي بالكارثة، رغم:
ضياع محاصيل زراعية كاملة.
نفوق أعداد من الماشية.
انهيار منازل طينية.
تسجيل وفيات.
انقطاع مسالك وعزلة دواوير بأكملها.
وسط هذا الواقع، اضطرت الساكنة إلى فك العزلة بوسائل بدائية، في مشهد يعيد طرح سؤال الهشاشة البنيوية التي يعانيها “المغرب غير النافع”، حيث تتكرر الكوارث وتتكرر معها الوعود.
لجنة دعم ومطالب بالاعتراف القانوني
نشطاء الإقليم أعلنوا تأسيس “لجنة دعم منكوبي إقليم تاونات”، مطالبين بإدراج الإقليم ضمن المناطق المنكوبة، استنادًا إلى مقتضيات القانون رقم 110.14 المتعلق بتغطية عواقب الوقائع الكارثية.
وتنص المادة الثالثة من القانون على شرطين أساسيين لاعتبار الواقعة كارثة:
السبب الطبيعي الحاسم غير العادي.
عجز التدابير الاعتيادية عن احتواء آثار الحادث.
وفي تاونات، تحقق الشرطان معًا: تساقطات قياسية وانجرافات غير مسبوقة، مقابل انهيار طرق وشبكات تصريف وتضرر مساكن وتعطل شبه كامل للحياة في قرى بأكملها.
حكومة الدعم بالأرقام والغياب على الأرض
حكومة المخزن أعلنت صرف:
6000 درهم مساعدات مباشرة للأسر المتضررة.
15 ألف درهم لتأهيل المساكن والمحلات الصغيرة.
140 ألف درهم لإعادة بناء المنازل المنهارة.
برامج مواكبة للفلاحين.
لكن السؤال الجوهري الذي يطرحه المتضررون:
ما قيمة الأرقام إذا كانت مناطق كاملة خارج لوائح الاستفادة؟
القانون واضح: لا تفعيل للتعويضات، ولا فتح سجل للضحايا، ولا تحريك لصندوق التضامن ضد الوقائع الكارثية، دون نشر قرار رسمي يحدد المناطق المنكوبة في الجريدة الرسمية.
وهنا يكمن جوهر الأزمة:
التصنيف الإداري أصبح بوابة النجاة الوحيدة، ومن يُقصى منه يُقصى فعليًا من منظومة التعويض.
العدالة المجالية أم إعادة إنتاج الهشاشة؟
الانتقادات الموجهة لحكومة المخزن تتجاوز حادثة الفيضانات الراهنة، لتلامس نمطًا متكررًا في إدارة الكوارث:
تدخلات ظرفية، قرارات انتقائية، وبنيات تحتية مهترئة تعيد إنتاج المأساة مع كل موسم مطري.
فالكوارث الطبيعية لا تعترف بالحدود الإدارية، لكن السياسات العمومية – كما يرى منتقدو الحكومة – تفعل.
وبين من شملهم الدعم ومن تُركوا في العزلة، يتعمق الشعور بأن التضامن الوطني يُفعل بجرعات متفاوتة.
اليوم، لا تطالب شفشاون والحسيمة وتاونات بامتيازات خاصة، بل بتطبيق القانون كما هو، وبالاعتراف الرسمي بحجم الكارثة.
فالإنصاف لا يقاس بعدد البلاغات، بل بعدد الأسر التي تنام بأمان تحت سقف لا يخشى المطر.
