ما جرى بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة المغربية، وبالضبط داخل كلية العلوم، ليس مجرد «تدخل أمني عابر»، بل واقعة خطيرة تؤشر على انزلاق مقلق في إدارة الشأن الجامعي، وعلى منسوب متقدم من التطبيع مع القمع داخل فضاء يفترض فيه أن يكون محمياً بالقانون والأعراف الأكاديمية. اقتحام الحرم الجامعي واعتقال طلبة بسبب مقاطعة الامتحانات ليس حلاً بيداغوجياً، بل إعلان إفلاس مؤسساتي صريح.
منذ يومين، تعيش الكلية على وقع احتقان متصاعد، بعد لجوء رئاسة الجامعة إلى استدعاء الأجهزة الأمنية للتعامل مع مطالب طلابية بحتة، في سابقة أعادت إلى الأذهان أسوأ فصول تدجين الجامعة المغربية وتحويلها من فضاء للنقاش والمعرفة إلى مجال للمراقبة والترهيب.
من الاحتجاج البيداغوجي إلى المتابعة الأمنية
الطلبة لم يخرجوا للمطالبة بامتيازات خارج القانون، بل احتجوا على اختلالات واضحة: تغييب الحوار، فرض رسوم تسجيل على الطلبة الموظفين، تدهور النقل والسكن، وضياع الزمن البيداغوجي دون تعويض. مطالب مشروعة، تُطرح في كل جامعات العالم عبر آليات الحوار والتفاوض.
غير أن إدارة جامعة ابن طفيل اختارت الطريق الأسهل والأخطر: الأمن بدل النقاش، والهراوة بدل الحلول. هكذا تحوّل الخلاف البيداغوجي إلى ملف أمني، والطلبة إلى «مشتبه فيهم»، في منطق لا علاقة له لا بالتعليم ولا بالإصلاح.
اقتحام الحرم: كسر لخط أحمر تاريخي
الفصائل الطلابية اعتبرت ما وقع «تدخلاً سافراً» وانتهاكاً مباشراً لحرمة الجامعة وقدسيتها. فالحرم الجامعي ليس مجرد فضاء جغرافي، بل مجال قانوني وأكاديمي مستقل، تحكمه أعراف راسخة، ويُفترض أن يُجنَّب منطق القمع والأمننة.
استباحة هذا الفضاء تعني شيئاً واحداً: إسكات الأصوات بدل الاستماع إليها. وتعني أيضاً ضرب ما تبقى من الثقة بين الطلبة والمؤسسة الجامعية، في وقت تعيش فيه الجامعة العمومية أصلاً أزمة عميقة على مستوى الجودة والتمويل والحكامة.
فشل الإدارة وتهريب المسؤولية
بدل فتح قنوات الحوار، اختارت رئاسة الجامعة الهروب إلى الأمام. هذا التدخل الأمني لا يمكن فصله عن فشل إداري واضح في إدارة الملفات البيداغوجية، وعجز عن إيجاد حلول داخل الإطار الأكاديمي. استدعاء الأمن هنا ليس قوة، بل علامة ضعف، ومحاولة لتكميم أزمة بدل حلها.
الفصائل الطلابية، من بينها الاتحاد الوطني لطلبة المغرب وطلبة اليسار التقدمي، حمّلت الإدارة المسؤولية الكاملة عمّا آلت إليه الأوضاع، معتبرة أن القمع لن يُنهي الاحتقان، بل سيُعمّقه ويُوسّعه.
الاعتقال داخل الجامعة: رسالة تخويف جماعي
اعتقال طلبة من داخل الحرم الجامعي يحمل رسالة واحدة: التخويف. رسالة مفادها أن أي تعبير جماعي عن الرفض قد يُواجَه بالأصفاد بدل الجلوس إلى الطاولة. وهو ما يشكل مساساً خطيراً بحقوق أساسية يكفلها القانون، وفي مقدمتها الحق في التعليم والتنظيم والتعبير السلمي.
هذه المقاربة لا تهدد فقط الحركة الطلابية، بل تضرب صورة الجامعة العمومية في المغرب، وتحولها إلى فضاء طارد للنقاش والفكر الحر، في تناقض صارخ مع كل الشعارات الرسمية حول «جامعة المواطنة» و«إشراك الطلبة».
