أثار تدشين وترميم مقبرة تضم رفات جنود فرنسيين سقطوا خلال معركة بوغافر، ببلدة ألنيف جنوب شرق المغرب، موجة غضب وانتقادات واسعة، بعدما جرى الحدث بمشاركة مسؤولين مغاربة وفرنسيين وبالتزامن مع تخليد ذكرى واحدة من أبرز ملاحم المقاومة بقيادة المجاهد عسو أوبسلام سنة 1933 بجبل صاغرو.
واعتبرت هيئات سياسية وحقوقية أن إقامة مراسم رسمية لتكريم قتلى الجيش الاستعماري في الموقع نفسه الذي شهد حصار وتجويع المقاومين المغاربة، تمثل إهانة مباشرة للذاكرة المغربية، وتناقضاً صارخاً مع رمزية المعركة التي جسدت صمود القبائل الأمازيغية في مواجهة الاحتلال الفرنسي.
وفي بيان شديد اللهجة، وصف حزب “النهج الديمقراطي العمالي” المغربي الخطوة بأنها “استفزاز للوجدان الجماعي” ومحاولة لإعادة تأهيل التاريخ الاستعماري تحت لافتة “الذاكرة المشتركة”، معتبراً أن المبادرة تسعى إلى تبييض صفحة فرنسا الاستعمارية وتبخيس تضحيات شهداء المقاومة. كما استنكر مشاركة وفد رسمي من وزارة الجيوش الفرنسية ومؤسسة قدماء المحاربين في تدشين مقبرة جماعية تضم جنوداً فرنسيين ومجندين مغاربة قتلهم المقاومون االأمازيغ في معركة بوغافر.
ورأت فعاليات مدنية من درعة-تافيلالت أن اختيار توقيت التدشين في فبراير، وهو الشهر الذي بلغ فيه حصار وتجويع مقاومي بوغافر ذروته سنة 1933، يحمل دلالات “مستفزة” لمشاعر الساكنة ولأحفاد المقاومين، متسائلة عن ازدواجية المعايير الفرنسية في التعامل مع ذاكرة الاستعمار، ومقارنة ذلك بمواقف باريس من ملفات تاريخية أخرى.
ويذهب منتقدون إلى أن الحدث يتجاوز مجرد ترميم مقبرة عسكرية إلى رسالة سياسية-رمزية تعيد طرح إشكال علاقة الدولة المغربية تحت سلطة المخزن بذاكرتها الاستعمارية، خصوصاً حين يتم تكريم جنود القوة الغازية في فضاء جغرافي ارتبط بمقاومة شرسة ودفع سكانه ثمناً باهظاً من الجوع والحصار والقتل.
وطالبت عرائض مدنية السلطات المغربية بتوضيح خلفيات المشاركة الرسمية في المراسم، وتقديم اعتذار معنوي لأبناء المنطقة ولرموز المقاومة، معتبرة أن تكريم قتلى الجيش الاستعماري في أرض شهداء مغاربة يشكل مساساً بكرامة ذاكرة الشعب المغربي ويهدد بتطبيع رمزي مع الماضي الاستعماري بدل إنصاف ضحاياه.
