الخميس 05 فيفري 2026

المغرب: خطوة جديدة نحو تفكيك السيادة.. كيف يمهّد المخزن لخوصخصة قطاع توزيع المحروقات خارج الرقابة الشعبية

نُشر في:
المغرب: خطوة جديدة نحو تفكيك السيادة.. كيف يمهّد المخزن لخوصخصة قطاع توزيع المحروقات خارج الرقابة الشعبية

يتواصل الجدل داخل البرلمان المغربي حول توجه حكومة المخزن الرامي إلى تحويل مؤسسات عمومية ذات طابع استراتيجي إلى شركات مساهمة، في سياق يثير تساؤلات متزايدة حول حدود التحكم العمومي في الثروات الوطنية، ومآلات السيادة الطاقوية والمعدنية. آخر هذه القضايا تفجّر مع مناقشة مشروع القانون المتعلق بتحويل المكتب الوطني للهيدروكربورات إلى شركة مساهمة، وهو مشروع وُصف داخل المؤسسة التشريعية بـ«البالغ الحساسية» لما يحمله من تداعيات استراتيجية وسياسية بعيدة المدى.

فبعيداً عن العناوين التقنية التي ترفعها الحكومة، من قبيل تحسين الحكامة والرفع من النجاعة، أعاد النقاش البرلماني الدائر طرح السؤال الجوهري المتعلق بالفلسفة العميقة لهذا التحول المؤسساتي. ذلك أن الأمر لا يتعلق فقط بتغيير الشكل القانوني لمؤسسة عمومية، بل بإعادة رسم علاقة الدولة بثروات وطنية غير متجددة، ترتبط مباشرة بمفاهيم السيادة والتحكم العمومي والاختيارات الاستراتيجية طويلة الأمد.

ويكتسي هذا المشروع حساسية مضاعفة، بالنظر إلى السياق الذي جاء فيه. فالمغرب، وفق ما أُثير خلال المناقشة البرلمانية، يوجد في مرحلة دقيقة تشهد بروز مؤشرات قوية حول حجم ونوعية مكامنه المعدنية والطاقية، في وقت لا يزال فيه الإطار التشريعي المنظم للقطاع يعاني من اختلالات بنيوية ونواقص تنظيمية. وهو ما يجعل أي تحول مؤسساتي من هذا الحجم محفوفاً بمخاطر حقيقية، إذا لم يُحط بضمانات قانونية وتنظيمية صارمة.

أحد أبرز مصادر القلق التي فجرتها المناقشة، يتمثل في المنهجية التي اعتمدتها حكومة المخزن في إعداد المشروع وتمريره. إذ تم تسجيل رفض شامل لكل التعديلات التي تقدمت بها الفرق والمجموعة النيابية، بما في ذلك التعديلات ذات الطابع التقني أو تلك التي تروم تعزيز الشفافية والضبط العمومي. هذا الرفض الآلي لا يُفرغ النقاش البرلماني من محتواه الدستوري فحسب، بل يعكس أيضاً توجهاً نحو فرض إصلاح جاهز بدل بنائه عبر مقاربة تشاركية حقيقية.

الأكثر إثارة للجدل، هو ما تضمنه المشروع من استثناءات ممنوحة للشركة المزمع إحداثها، تمس جوهر مبدأ المساواة والحياد التنافسي. إذ يمنحها إمكانية الحصول على مختلف السندات والتراخيص دون التقيد بعددها أو نوعها أو المساحات القصوى المرتبطة بها، وهو ما يطرح تساؤلات مقلقة حول تكافؤ الفرص بين الفاعلين، وحدود الضبط العمومي للسوق. فحتى وإن كانت الشركة مملوكة للدولة، فإن تمتيعها باستثناءات لا يستفيد منها باقي المتدخلين، يفتح الباب أمام مخاطر الاحتكار وإقصاء الفاعلين الصغار والمتوسطين.

كما يثير المشروع مخاوف مرتبطة بطبيعة المرحلة الانتقالية التي يتحدث عنها النص. فالتجارب السابقة، كما تم التنبيه إلى ذلك داخل البرلمان المغربي، أظهرت أن الأوضاع الانتقالية غير المضبوطة سرعان ما تتحول إلى أوضاع دائمة بحكم الأمر الواقع. وهو ما يطرح أسئلة جوهرية حول الضمانات العملية لمنع تمركز فعلي للبنية التحتية، أو خلق امتياز تنافسي يصعب تفكيكه مستقبلاً، خاصة في ظل غياب إطار تنظيمي نهائي ومتكامل.

ورغم هذه التحفظات، لا ينطلق الموقف المعارض للمشروع من منطق رفض الإصلاح أو الدفاع عن الجمود. بل يتم التأكيد على أن تحويل المكتب الوطني للهيدروكربورات إلى شركة مساهمة يمكن أن يشكل، من حيث المبدأ، خطوة إيجابية لتعزيز الحكامة والرفع من النجاعة وتحفيز النمو الاقتصادي في القطاع. غير أن هذا التحول، إذا لم يُؤطر بضمانات قوية وواضحة، قد يؤدي عملياً إلى نتائج عكسية، من بينها تراجع التحكم العمومي في ثروات استراتيجية، وتغليب منطق الربح على المصلحة العامة، وتعميق أعطاب الحكامة بدل معالجتها.

في المحصلة، يكشف هذا النقاش أن الرهان لا يتعلق بشكل المؤسسة، بل بطبيعة الاختيار السياسي الذي يقف خلفه: هل نحن أمام إصلاح يعزز السيادة الاقتصادية للمغرب ويخضع لمنطق المصلحة العامة لمغاربة، أم أمام مسار تدريجي لإعادة تعريف دور الدولة المغربية في القطاعات الاستراتيجية، بما قد يفتح الباب أمام إقدام المخزن على خوصصة مقنّعة للثروة الوطنية؟ سؤال يبقى مفتوحاً، في ظل إصرار حكومة المخزن على تمرير المشروع دون تعديل، وتنامي المخاوف من كلفة هذا الاختيار على المدى البعيد.

رابط دائم : https://dzair.cc/24mi نسخ

اقرأ أيضًا