لم تكن الرضيعة التي فارقت الحياة في إقليم تاونات بالمغرب مجرد رقم عابر في سجل الكوارث الطبيعية، بل كانت صفعة موجعة تكشف حجم الاختلال في تدبير الأزمات، حين يصبح منطق الإدارة أقسى من قسوة الطبيعة نفسها.
الطفلة، التي لم تكمل شهرها الأول، ماتت تحت وطأة البرد بعد أن انهار بيت أسرتها بسبب الفيضانات، فوجدت العائلة نفسها في خيمة مهترئة بلا حماية حقيقية من صقيع الجبال. مأساة إنسانية مكتملة الأركان، لكنها في نظر سلطة المخزن تبدو تفصيلًا جانبيًا في ملف تقني تحكمه “المعايير” و”المساطر”.
حين تتقدم البيروقراطية على الحياة
في الوقت الذي كانت فيه الأسر المنكوبة تبحث عن غطاء يقيها البرد، انشغلت سلطات المخزن بمنع شحنة مساعدات غذائية بدعوى عدم استيفاء الشروط الإدارية. شاحنة محملة بمواد أساسية قادمة من بنك التغذية لم يُسمح لها بالتفريغ، فعادت أدراجها، وكأن الجوع والبرد ينتظران ختمًا رسميًا كي يفتكا بالناس.
أي منطق هذا الذي يجعل وثيقة ناقصة أخطر من كارثة طبيعية؟ وأي أولويات هذه التي تضع الإجراءات فوق الأرواح؟
“ليست منطقة منكوبة”…. لأن الدفتر يقول ذلك
الأدهى من ذلك أن التصريحات الرسمية ربطت إعلان المنطقة منكوبة بمعايير تقنية من قبيل “عدد ساعات التساقطات”، لا بحجم الدمار ولا بعدد المشردين ولا بوفاة رضيعة لم تحتمل قسوة الظروف. وكأن حياة الناس لا تُقاس بمدى انكسارهم، بل بعدد المليمترات المسجلة في تقارير الطقس.
هذا المنطق يعكس ذهنية مخزنية تقليدية ترى في الكارثة حدثًا إداريًا لا مأساة إنسانية، وتتعامل مع المواطنين باعتبارهم أرقامًا في جداول، لا بشراً لهم كرامة وحق في الحماية الفورية.
دولة الحضور في الخطاب والغياب في الميدان
تتباهى سلطة المخزن بخطابات “الدولة الاجتماعية” و”الحماية الشاملة”، لكن امتحان تاونات كشف هشاشة هذا البناء الدعائي. حين انهارت البيوت، لم تسقط الجدران وحدها، بل سقط معها وهم الجاهزية والاستباق. وحين اشتد البرد، لم يكن هناك سوى خيام رقيقة ووعود ثقيلة.
إن ما وقع ليس مجرد حادث عرضي، بل نتيجة تراكم طويل من التهميش البنيوي للمناطق القروية والجبلية، حيث يُترك السكان لمواجهة الطبيعة بإمكانات شبه معدومة، ثم يُطلب منهم الصبر باسم “الظروف الاستثنائية”.
من المسؤول؟
السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس عن قسوة الطقس، بل عن قسوة السياسات. من المسؤول عن تأخر الإغاثة؟ من قرر أن توقيعًا ناقصًا يبرر إعادة مساعدات ضرورية؟ ومن حوّل إعلان الكارثة إلى تمرين محاسباتي بارد؟
موت رضيعة في خيمة ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة مباشرة لغياب استجابة عاجلة وفعالة. وحين تصبح البيروقراطية حائط صدّ أمام التضامن، فإن الخلل لا يكون في الطبيعة، بل في منظومة تدبير ترى في الضبط أولوية، وفي الإنسان تفصيلًا.
تاونات اليوم ليست مجرد خبر عابر كما نشرته منصة هوامش، بل مرآة تعكس عمق الفجوة بين خطاب رسمي مفعم بالشعارات، وواقع ميداني تُدفع فيه الأرواح ثمن التأخر واللامبالاة.
الرضيعة التي رحلت لن تعود، لكن السؤال سيظل معلقًا: كم مأساة أخرى يحتاجها المخزن ليدرك أن الكرامة لا تُدار بالمذكرات الإدارية، وأن حماية الحياة أولى من حماية المساطر؟
