لم تعد الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في المغرب قابلة للتفسير بلغة “الاختلالات” أو “الظرفية الدولية”. ما يجري هو نتيجة بنية ريع كاملة تتربع في قلبها الثروة الملكية، وتديرها شبكة مصالح مترابطة، تتكفل حكومة عزيز أخنوش بتنفيذ سياساتها وحماية امتيازاتها.
الثروة الملكية، التي تمتد من العقار إلى الفلاحة، ومن المناجم إلى الطاقة والسياحة، ليست معطى محايدًا في المشهد الاقتصادي، بل فاعل مهيمن يحدد اتجاه السوق، ويكبح المنافسة، ويعيد توجيه المال العام لخدمة مصالح خاصة محصّنة من أي مساءلة. في هذا النموذج، لا يمكن الحديث عن اقتصاد وطني، بل عن اقتصاد قصر يُدار بمنطق الاحتكار، حيث تُفتح الأبواب للمقرّبين وتُغلق في وجه المجتمع.
حكومة أخنوش، القادمة من قلب الرأسمال الريعي، ليست انحرافًا عن هذا المسار، بل تتويجًا له. رئيس حكومة يملك إمبراطورية اقتصادية، ويتحرك داخل فضاء محمي من تضارب المصالح، لا يمكنه إلا أن يكون خادمًا أمينًا لمنظومة تُغذّي الثراء الفاحش في الأعلى وتُعمّق الفقر في الأسفل. الغلاء المتوحش، تآكل الأجور، وتفشي البطالة ليست أخطاء في التدبير، بل نتائج طبيعية لاقتصاد يُفصَّل على مقاس القصر وشركائه.
الريع البنيوي، الذي ترعاه المؤسسة الملكية بصمتها وامتيازاتها، يقتل أي أفق للتنمية الحقيقية. لا تنافسية، لا تكافؤ فرص، ولا عدالة مجالية، لأن قواعد اللعبة محسومة سلفًا. المشاريع الكبرى تُمنح لمن يدور في فلك القصر، والصفقات العمومية تتحول إلى غنائم، بينما يُطلب من المواطن العادي شدّ الحزام والتصفيق لـ“الاستقرار”.
اجتماعيًا، تتحول الدولة إلى جهاز جباية وقمع رمزي: تقليص للدعم، خوصصة للخدمات، وتخلٍّ ممنهج عن الفئات الهشة، في مقابل حماية صارمة لثروة لا تُمس ولا تُسأل عن مصدرها ولا عن دورها في تعميق الفوارق. وحين يتجرأ صوت معارض على ربط الفقر بثروة القصر، يُتهم بـ“المساس بالمقدسات”، وكأن الجوع أقل قداسة من الامتيازات.
الخلاصة أن المغرب لا يعاني من سوء حظ اقتصادي، بل من اختطاف منظم للثروة الوطنية. قصر يحتكر القرار والثروة، وحكومة واجهة تُدير النتائج، وشعب يُدفع ثمن نموذج لم يختره. في هذا السياق، يصبح الفقر سياسة رسمية، ويغدو الغضب الاجتماعي نتيجة مؤجلة لا أكثر.
