الأربعاء 18 مارس 2026

انتخابات 2026 وسلطة الصناديق الغائبة في المغرب: هندسة المخزن لإنتاج برلمانات الفسيفساء وتدجين المعارضة

نُشر في:
انتخابات 2026 وسلطة الصناديق الغائبة في المغرب: هندسة المخزن لإنتاج برلمانات الفسيفساء وتدجين المعارضة

مع اقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية المغربية في 23 سبتمبر 2026، يعود السؤال الجوهري ليطفو على السطح: هل تملك صناديق الاقتراع في المغرب سلطة حقيقية للتغيير، أم أنها مجرد آلية تقنية لتجديد واجهة النظام؟ إن القراءة التاريخية للمسار الانتخابي منذ عام 1963 تؤكد أن اللعبة السياسية ظلت محكومة بهندسة دقيقة تضمن بقاء مركز القرار الفعلي بيد المؤسسة الملكية، بينما تتحول الأحزاب الفائزة إلى مجرد أدوات لتنفيذ أجندات استراتيجية تُصاغ في ردهات الديوان الملكي بعيداً عن صخب الحملات الانتخابية ووعود البرامج الحزبية.

وتكشف تجارب “التناوب التوافقي” مع اليسار في التسعينيات، ثم صعود الإسلاميين بعد حراك 20 فبراير 2011، عن نمط متكرر يقوم على “الاستيعاب ثم التحييد”؛ حيث تُفتح أبواب الحكومة أمام قوى المعارضة في لحظات الأزمات لامتصاص الغضب الشعبي وتأمين استمرارية النسق. غير أن هذه الأحزاب سرعان ما تصطدم بـ “أسقف غير مرئية” تمنعها من فتح ملفات الفساد البنيوي أو التأثير في مجالات السيادة (الأمن، الدين، الخارجية)، لتجد نفسها في نهاية المطاف تتحمل وحدها كلفة الفشل الاجتماعي، بينما تظل أدوات السلطة الحقيقية محصنة ضد أي محاسبة انتخابية.

وتشكل هندسة القوانين الانتخابية السلاح الأمضى في يد “المخزن” لضبط المشهد السياسي ومنع بروز أي قوة مهيمنة؛ فمن اعتماد القاسم الانتخابي المثير للجدل في 2021 إلى بلقنة البرلمان عبر تشتيت الأصوات، يسعى النظام لإنتاج أغلبيات هجينة وضعيفة تفتقر للانسجام الإيديولوجي. هذا الوضع يجعل من رئيس الحكومة مجرد “منسق” لتحالفات مفروضة، ويحول الحزب المتصدر للنتائج إلى ملحق لـ “أحزاب إدارية” ليبرالية تحتكر مفاصل الاقتصاد (المحروقات والغاز)، كما حدث في تجربة حزب عزيز أخنوش، التجمع الوطني للأحرار، التي أجهضت طموحات العدالة والتنمية السياسية.

أما شعارات “أخلقة الحياة السياسية” التي ترفعها وزارة الداخلية المغربية اليوم لتبرير تشديد شروط الترشح ومنع المتابعين قضائياً، فتثير مخاوف حقوقية مشروعة حول إمكانية تحولها إلى “فلتر سياسي” إضافي. فخلف خطاب محاربة الفساد و”نظافة المؤسسات”، يخشى مراقبون من توظيف المتابعات القضائية لإقصاء المنافسين المزعجين، مما يضرب في الصميم مبدأ قرينة البراءة ويمنح السلطة التنفيذية مفاتيح انتقاء “النخبة النزيهة” وفق معايير الولاء لا الكفاءة، في مشهد حزبي بات يوصف بـ “الضعف والتبعية المطلقة”.

إن انتخابات 2026 بالمغرب تأتي في سياق فقدان الثقة الشعبي في “جدوى الصندوق” بعد الانهيارات الانتخابية المدوية للأحزاب التي تاجرت بشعارات الإصلاح قبل أن تبتلعها ماكينة الاحتواء. وبناءً عليه، يظل الرهان على تغيير حقيقي عبر الانتخابات في ظل الدستور الحالي وموازين القوى الراهنة مجرد “وهم سياسي”؛ فالقرار الاستراتيجي في المغرب لا يمر عبر صناديق الاقتراع، بل عبر بنية “المخزن” العميقة التي تجيد إعادة تدوير النخب وتوزيع التكاليف السياسية، مع إبقاء الواجهة المؤسساتية تعكس صورة ديمقراطية شكلية لا تلامس جوهر السلطة.

رابط دائم : https://dzair.cc/yerg نسخ

اقرأ أيضًا