تتعمق مؤشرات الردة الحقوقية في المغرب مع إصرار حكومة المخزن على تمرير مشاريع قوانين مثيرة للجدل، مقابل إغلاقها المتعمد لملفات حقوقية حارقة تتعلق بالحريات العامة والاعتقال السياسي ودور البرلمان الرقابي والتشريعي. هذا الواقع أعادته إلى الواجهة مداخلات برلمانية كشفت حجم الهوة بين الخطاب الرسمي عن “إصلاح العدالة” والممارسة السياسية الفعلية التي تُفرغ المؤسسات من مضمونها الديمقراطي.
في هذا السياق، برزت انتقادات حادة داخل المؤسسة التشريعية تضع الحكومة أمام مسؤولياتها في ما يخص تقييد الحريات وضرب الحقوق المكتسبة، في وقت تستمر فيه في تسويق مشاريع قوانين على أنها نقلة نوعية، بينما يتم تمريرها بمنهجية إقصائية تُقصي المهنيين والمعنيين وتُهمش دور المعارضة البرلمانية. فالحديث عن إصلاح العدالة، كما يُقدم رسمياً، لا يواكبه أي مسار شامل لإعادة تأهيل المهن القضائية والقانونية، ولا يراعي شروط الاستقلالية والنزاهة التي يفترض أن تشكل أساس أي إصلاح حقيقي.
ويعكس الجدل الدائر حول مشروع القانون المتعلق بمهنة العدول مثالاً صارخاً على هذا التناقض. فبدل فتح نقاش جدي حول المستجدات القانونية ومدى انسجامها مع انتظارات المهنيين، اختارت حكومة المخزن نهج الرفض الآلي للتعديلات البرلمانية، ما يكرس صورة تشريع مفروض من أعلى، لا يستند إلى مقاربة تشاركية ولا إلى توافق مؤسساتي. هذا الأسلوب يعمق أزمة الثقة في العمل التشريعي ويُضعف مصداقية البرلمان كفضاء للنقاش الديمقراطي.
الأخطر من ذلك، أن هذا السلوك التشريعي يتقاطع مع تضييق متزايد على عمل المعارضة داخل البرلمان، في خرق واضح لمقتضيات الدستور والنظام الداخلي للمؤسسة التشريعية. ويتجلى ذلك بشكل خاص في عدم برمجة مناقشة مقترحات قوانين ذات طابع حقوقي بالغ الحساسية، وفي مقدمتها مقترحات العفو العام عن معتقلي حراك الريف ومعتقلي “جيل زد”، إضافة إلى مشاريع قوانين تتعلق بتضارب المصالح. وكأن هذه الملفات، بما تحمله من أبعاد سياسية وإنسانية، لا تستحق أن تُدرج ضمن أولويات النقاش العمومي.
هذا الإقصاء الممنهج يعكس إرادة سياسية واضحة لإبقاء ملف الاعتقال السياسي خارج التداول المؤسساتي، وتكريس مقاربة أمنية بدل سياسية وحقوقية في التعاطي مع الاحتجاجات الاجتماعية. وهو ما ينسجم مع مناخ عام يتسم بتقييد الحريات، وتشديد الرقابة، وتراجع هامش التعبير، في سياق دولي يشهد بدوره انتكاسات على مستوى احترام القانون الدولي، لكن دون أن يشكل ذلك مبرراً لتكريس الردة الحقوقية داخلياً.
إن استمرار هذا النهج لا يهدد فقط حقوق فئات بعينها، بل يضرب في العمق فكرة الإصلاح ذاتها، ويفقد القوانين أثرها الواقعي بسبب غياب الانخراط الحقيقي للمعنيين بها. كما يضعف دور البرلمان المغربي كمؤسسة تمثيلية، ويحول الأغلبية العددية إلى أداة لفرض التشريع بدل أن تكون وسيلة لبناء التوافق.
أمام هذا الوضع، يتأكد أن الأزمة لم تعد تقنية أو تشريعية، بل سياسية بامتياز، عنوانها غياب الإرادة في توسيع هامش الحريات، والتراجع عن منطق الحوار، والاستمرار في إدارة الشأن العام بمنهجية الإقصاء والتحكم. وهي أزمة مرشحة للتفاقم ما لم يتم إعادة الاعتبار للبرلمان، واحترام أدوار المعارضة، وفتح الملفات الحقوقية العالقة، وفي مقدمتها ملف معتقلي الحركات الاحتجاجية، باعتباره مدخلاً أساسياً لأي مصالحة حقيقية مع المجتمع.
