الجمعة 16 جانفي 2026

بعد أكثر من شهرين على القرار: أحلام المخزن بـ “حكم ذاتي” للصحراء الغربية تصطدم باستحالة إطلاق مسار تفاوضي مع البوليساريو

نُشر في:
بعد أكثر من شهرين على القرار: أحلام المخزن بـ “حكم ذاتي” للصحراء الغربية تصطدم باستحالة إطلاق مسار تفاوضي مع البوليساريو

مرة أخرى، يكتشف الرأي العام أن ما سوّقته الرباط بوصفه “اختراقاً تاريخياً” في ملف الصحراء الغربية لم يكن سوى فقاعة دعائية أخرى، انفجرت بصمت بعد أسابيع قليلة. قرار مجلس الأمن رقم 2797، الذي هللت له الدبلوماسية المغربية ولفّه القصر بخطاب رسمي مهيب، لم يحرّك النزاع قيد أنملة، ولم يفتح أي مسار تفاوضي فعلي، بل كشف حجم المأزق الذي يعيشه النظام المغربي حين يُطالَب بتحويل الشعارات إلى وقائع سياسية.

فبعد أكثر من شهرين على القرار، لا مفاوضات، لا رزنامة، ولا حتى وثيقة. “الدينامية الجديدة” التي بشّر بها المخزن تبخّرت بالكامل، وبقي جوهر الأزمة على حاله: غياب مشروع حكم ذاتي حقيقي، مفصّل، وقابل للنقاش. الرباط احتفلت بالتصويت، لكنها عجزت عن تقديم أبسط ما كان منتظراً منها، وهو نص سياسي يتجاوز نسخة 2007 الباهتة، التي لم تكن يوماً سوى مناورة لربح الوقت.

اللافت أن هذا العجز لم يعد سراً. مصادر دبلوماسية وصحفية متطابقة تؤكد أن المغرب لم يقدّم شيئاً لا لواشنطن ولا لباريس ولا حتى للأمم المتحدة. كل ما جرى كان استعراضاً داخلياً واجتماعات شكلية مع أحزاب موالية، انتهت إلى إعادة تدوير الخطة القديمة، وكأن الزمن توقف منذ ثمانية عشر عاماً. هكذا، يتحول مبرّر “العمل جارٍ” إلى ذريعة دائمة، تُستعمل كلما اقتربت ساعة الحقيقة.

من منظور جبهة البوليساريو، لا يتعلق الأمر بتخبّط عابر، بل باستراتيجية متجذرة: استعمال شعار الحكم الذاتي كغطاء لتكريس الأمر الواقع. احتلال مستمر، استيطان متسارع، استثمارات تُسوّق كتنمية، واعترافات دولية تُجمع بالضغط والمقايضات، في محاولة لإفراغ حق تقرير المصير من مضمونه وتحويله إلى ملف منسيّ في أدراج الأمم المتحدة.

لكن ما تغيّر هذه المرة هو عامل واشنطن. فالولايات المتحدة، التي كانت لعقود شريكاً في إدارة الجمود، قد لا تقبل اليوم باستمرار المسرحية ذاتها. دونالد ترامب، العائد بعقلية “الصفقات السريعة”، لا يبدو مستعداً لرعاية نزاع بلا أفق. وهو ما يفسّر القلق المتزايد في الرباط: الخوف من أن يُجبَر المغرب على تقديم مضمون حقيقي، لا شعارات فضفاضة.

هنا بالضبط يظهر جوهر المأزق. فالنظام المغربي لا يخشى البوليساريو بقدر ما يخشى نفسه. أيُّ حكم ذاتي فعلي يفترض لامركزية حقيقية، ومؤسسات مستقلة، ودستوراً يسمح بتقاسم السلطة. وهذه كلها خطوط حمراء في بنية نظام شديد المركزية، يقوم على التحكم والسيطرة لا على التفويض والتنازل. لذلك، فإن الحكم الذاتي الذي يُسوّق خارجياً لا يمكن تطبيقه داخلياً دون أن يفتح المخزن عل نفسه جحيم “صندوق باندورا”، فقد تمتد المطالبة به إلى الريف وغيره من المناطق المهمشة.

محاولة تشبيه المشروع المغربي بالنموذج الإسباني ليست سوى خدعة لغوية. فإسبانيا لم تصل إلى نظام الجهات إلا بعد قطيعة دستورية مع المركزية السلطوية، وهو ما لا يجرؤ النظام المغربي حتى على مناقشته. لذلك، يبقى “الحكم الذاتي” في الخطاب المغربي فكرة بلا جسد، تُستعمل للاستهلاك الدبلوماسي لا أكثر من أجل قطع الطريق أمام مسار الشرعية الدولية.

ومع تزايد الحديث عن رغبة أمريكية في قيادة المسار مباشرة، وربما تهميش دور الأمم المتحدة، يتقلص هامش المناورة أكثر. فالمناورات عبر تسريبات عن مفاوضات في الدوحة أو أوسلو لم تعد تقنع أحداً، ولا تخفي حقيقة الجمود.

في المحصلة، يجد المغرب نفسه اليوم محاصَراً بخطابه نفسه. سنوات من المماطلة والمناورة لكسب الوقت أوصلته إلى لحظة قد يُفرض فيها حل من الخارج، لا لأنه عادل فقط، بل لأن لعبة التأجيل استنفدت أغراضها. وبينما تتظاهر الرباط بالثقة، يتسلل الخوف إلى قلب القرار: ماذا لو طُلب منها أخيراً أن تضع شيئاً حقيقياً على الطاولة؟

عندها فقط، سينكشف أن “الانتصارات الدبلوماسية” لم تكن سوى ستار هشّ يخفي أزمة سياسية عميقة، لم يعد بإمكان المخزن الهروب منها إلى ما لا نهاية.

رابط دائم : https://dzair.cc/97qw نسخ

اقرأ أيضًا