تعود قضية الصحراء الغربية لتكشف من جديد عن عمق أزمة المبادئ التي تعيشها حكومة “بيدرو سانشيز” في إسبانيا، حيث يبدو أن مدريد قد اختارت الهروب إلى الأمام عبر تبني مقترحات المخزن التوسعية. هذا الموقف الذي يصفه مراقبون دوليون بأنه “حلقة جديدة في مسلسل التنازلات”، يضع إسبانيا في موقف المتنكر لمسؤولياتها التاريخية والقانونية كقوة مديرة للإقليم، ويحول الدبلوماسية الإسبانية إلى مجرد صدى لطلبات الرباط مقابل وعود وهمية بالاستقرار الحدودي.
وتشير التحليلات السياسية إلى أن رهان سانشيز على دعم “الحكم الذاتي” هو مقامرة خاسرة تضرب عرض الحائط بقرارات الأمم المتحدة وحق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره. إن هذا التحول المفاجئ في الموقف الإسباني، والذي جاء تحت ضغط أوراق الابتزاز التي يتقن المخزن اللعب بها (كالهجرة والأمن والمصالح الاقتصادية)، يعكس حالة من “الارتهان” السياسي لمدريد تجاه نظام في الرباط لا يؤمن إلا بمنطق المقايضة بالسيادة والقانون الدولي.
إن ما تصفه الصحافة الإسبانية المستقلة بـ “اتفاقية الخضوع”، يثبت أن المخزن نجح في تحويل حكومة سانشيز إلى شريك في محاولات شرعنة الاحتلال. غير أن هذا المسار يواجه معارضة شرسة داخل إسبانيا نفسها، من قبل قوى سياسية وحقوقية ترى في هذا الموقف طعنة في ظهر العدالة الدولية، وتكريساً لسياسة “الأمر الواقع” التي يحاول المخزن فرضها بقوة “اللوبيات” وصفقات المقايضة تحت الطاولة بعيداً عن أعين البرلمان الإسباني.
ويحذر خبراء في القانون الدولي من أن محاولة القفز على طبيعة النزاع في الصحراء الغربية لن تجلب السلام للمنطقة، بل ستزيد من حدة التوتر وعدم الاستقرار. فالمخزن الذي يغرق في أزماته الاجتماعية والسياسية بالداخل، يرى في التنازلات الإسبانية “انتصاراً وهمياً” يحاول تسويقه لشعبه، بينما الحقيقة هي أن السيادة الحقيقية لا تمنحها مدريد ولا بروكسل، بل يقررها الشعب الصحراوي وحده عبر استفتاء حر ونزيه تشرف عليه المنظومة الدولية.
وتظل السياسة الخارجية لسانشيز تجاه المنطقة المغاربية محل انتقادات واسعة، لكونها تضحي بعلاقات استراتيجية مع دول الجوار مقابل إرضاء نظام توسعي لا يتردد في انتهاك الاتفاقات كلما سنحت له الفرصة. إن “قصة الحكم الذاتي” التي يحاول المخزن الترويج لها عبر بوابة مدريد، ستصطدم حتماً بصخرة الصمود الصحراوي والقانون الدولي، ليبقى موقف سانشيز وصمة عار في سجل الدبلوماسية الإسبانية التي ارتهنت لإملاءات “المخزن” وضحت بالشرعية الدولية.
