يبدو أن البلاغ الطبي الذي عمّمته المؤسسة الرسمية حول الحالة الصحية لمحمد السادس لم ينجح في تحقيق هدفه الحقيقي، بل فتح، من حيث لا يريد المخزن، نافذة واسعة على أزمة أعمق تتعلق بانتقال السلطة وصراع الأجنحة داخل النظام. فالدولة التي اعتادت إحاطة الملك بهالة من “القداسة السياسية” والغياب المدروس عن المشهد، تجد نفسها اليوم مضطرة لتقديم تبريرات صحية للرأي العام، في لحظة إقليمية وداخلية شديدة الحساسية، وهو ما يعكس ارتباكًا بنيويًا في إدارة مرحلة ما بعد الملك.
المأزق لا يكمن في المرض في حد ذاته، بل في ما يكشفه من هشاشة النظام حين يقترب من سؤال الخلافة. فالمخزن، الذي راكم سلطته لعقود على شخصنة الحكم وربطه بالملك، لم ينجح في بناء آلية انتقال سلس وشفاف، بل ترك فراغًا ملغومًا تتنازعه الطموحات، والتحالفات، والتدخلات.
في قلب هذا الفراغ، تتقاطع ثلاث دوائر نفوذ رئيسية، تُشكّل – بحسب قراءات سياسية وإعلامية متداولة – مراكز توتر داخل القصر:
دائرة شقيق الملك، ودائرة ولي العهد، ودائرة الأم/الزوجة السابقة لالة سلمى.
أولًا، يبرز شقيق الملك، الأمير رشيد، كأحد أهم مراكز الثقل غير المعلنة. فبحكم القرب العائلي والامتدادات داخل أجهزة الدولة والاقتصاد، يُنظر إليه في كثير من التحليلات كـ“فاعل ظل”، يتمتع بنفوذ مؤسساتي لا يمر عبر القنوات الدستورية، ويُعتقد أنه يسعى إلى إعادة ترتيب موازين القوة تحسبًا لأي انتقال مفاجئ أو متعثر. هذا الدور، وإن بقي غير معلن، يغذّي شعورًا داخل الدولة العميقة بأن الخلافة قد لا تكون مسارًا خطيًا بسيطًا، بل ساحة صراع ناعم.
ثانيًا، يأتي ملف ولي العهد، الأمير الحسن، الذي يُفترض نظريًا أنه الضامن الطبيعي للاستمرارية. غير أن صغر السن النسبي، وطبيعة الإعداد السياسي والإعلامي المحيط به، يطرحان أسئلة حقيقية حول من يحكم باسمه ومن يقرر نيابة عنه في مرحلة انتقالية محتملة. هنا، لا يعود السؤال: من هو الملك القادم؟ بل: من هو الوصي الفعلي على القرار؟ وهذا بحد ذاته كاشف لفشل المخزن في بناء شرعية مؤسساتية تتجاوز الأشخاص.
أما ثالثًا، فتطفو إلى السطح، بين الحين والآخر، دائرة لالة سلمى، الزوجة السابقة للملك ووالدة ولي العهد. ورغم الغياب الرسمي والإعلامي الممنهج، فإن اسمها لا يغيب عن التحليلات التي تتحدث عن صراع خفي حول التأثير في مستقبل ولي العهد، وحول من يمتلك الكلمة الأقوى في رسم ملامح المرحلة المقبلة. هذا الصراع، إن صحّت قراءاته، يعكس مرة أخرى طبيعة النظام الذي تُدار فيه الدولة بمنطق العائلة، لا بمنطق المؤسسات.
المشكلة الأعمق أن المخزن، بدل معالجة هذا الوضع ببناء قواعد انتقال واضحة، اختار سياسة الإنكار والتعتيم. كل معلومة تُقدَّم للرأي العام تأتي مجتزأة، محسوبة، ومؤطرة بخطاب الطمأنة القسرية. لكن هذه الطمأنة لا تخفي القلق، بل تؤكده. فالدولة الواثقة لا تخشى النقاش حول المستقبل، أما الدولة المأزومة فتُغرقه في البلاغات الطبية واللغة المطمئنة.
اللافت أن هذا الارتباك الداخلي يتزامن مع ارتهان خارجي متزايد، سواء عبر التحالفات الأمنية الحساسة، خاصة مع الكيان الصهيوني، أو عبر الرهانات السياسية التي جعلت النظام المخزني أكثر حاجة للدعم الدولي. وهنا يصبح سؤال الخلافة ليس شأناً داخلياً فقط، بل ملفًا مفتوحًا على التأثيرات الخارجية، ما يزيد من هشاشة السيادة السياسية التي يتغنّى بها المخزن في خطاباته.
خلاصة الأمر أن قضية صحة الملك لم تعد مسألة شخصية أو إنسانية، بل تحوّلت إلى مرآة تعكس أزمة نظام بأكمله. أزمة نظام ربط الاستقرار بشخص، ولم يجرؤ على بناء دولة مؤسسات قادرة على تجاوز الأشخاص. واليوم، كل بلاغ صحي، مهما حاول أن يبدو مطمئنًا، يكشف حقيقة واحدة:
المخزن في مأزق، وانتقال السلطة في المغرب ليس مسارًا محسومًا، بل ساحة صراع مؤجل، تُدار في الظل وتُخشى في العلن.
وهنا، لا يعود السؤال: هل حالة الملك الصحية مقلقة؟ بل السؤال الأعمق والأخطر: هل بنية الحكم نفسها قادرة على النجاة من لحظة الحقيقة؟
