مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط واحتمال انزلاق المنطقة نحو مواجهة واسعة مع إيران، تتكشف من جديد الفوارق الاستراتيجية بين الدول التي بنت أمنها الطاقوي على أسس سيادية، وتلك التي اختارت الارتهان للخارج. وفي هذا السياق، يظهر التباين بوضوح بين الجزائر، التي رسخت موقعها كقوة طاقوية مؤثرة، وبين النظام المغربي الذي يواجه أزمة مركبة من التبعية الاقتصادية والضغوط الجيوسياسية.
الجزائر: قوة طاقوية في زمن الاضطرابات
في خضم التقلبات التي تضرب أسواق الطاقة العالمية، تبرز الجزائر كأحد الفاعلين القادرين على لعب دور استقرار في السوق الدولية، بفضل احتياطاتها الضخمة من الغاز وقدرتها على تأمين الإمدادات نحو أوروبا وشركاء آخرين.
وقد عززت شركة سوناطراك في السنوات الأخيرة موقع الجزائر كمصدر موثوق للطاقة، مستفيدة من شبكة خطوط الأنابيب والبنية التحتية التي تسمح لها بالاستجابة لارتفاع الطلب العالمي، خصوصاً في ظل الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة.
كما أن تنوع الصادرات الجزائرية، التي تشمل الغاز والهيليوم والمنتجات البتروكيماوية، يمنح الاقتصاد الوطني قدرة أكبر على امتصاص الصدمات العالمية، ويضع البلاد في موقع تفاوضي قوي في سوق الطاقة الدولية.
المغرب: هشاشة بنيوية في قطاع الطاقة
على الضفة الأخرى، يجد المغرب نفسه في وضع أكثر تعقيداً. فاقتصاده يعتمد بشكل شبه كامل على استيراد الطاقة، وهو ما جعل أي اضطراب في السوق الدولية ينعكس مباشرة على الأسعار الداخلية وعلى القدرة الشرائية للمواطنين.
وقد ازدادت هذه الهشاشة بعد توقف العمل بخط أنابيب الغاز خط أنابيب المغرب-أوروبا الذي كان ينقل الغاز الجزائري إلى إسبانيا عبر الأراضي المغربية. هذا التطور أجبر الرباط على البحث عن حلول مكلفة مثل استيراد الغاز عبر إسبانيا بنظام التدفق العكسي، ما ضاعف الضغط على المالية العمومية.
وفي ظل ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً، أصبحت الحكومة المغربية مضطرة إلى تمرير جزء كبير من هذه التكاليف إلى المستهلكين، وهو ما ساهم في زيادة التضخم وتراجع القدرة الشرائية للأسر.
مغامرات سياسية وتوترات إقليمية
ولا تقتصر الأزمة على الجانب الاقتصادي فقط، بل تمتد إلى المجال السياسي والدبلوماسي. فسياسات الرباط الخارجية، بما في ذلك التطبيع مع إسرائيل، أثارت جدلاً واسعاً داخل المنطقة، ووضعت المغرب في موقع حساس وسط تحولات إقليمية متسارعة.
وفي الوقت نفسه، يظل نزاع الصحراء الغربية أحد أبرز الملفات التي تستنزف الجهد السياسي والاقتصادي للمملكة، حيث يتطلب استثمارات عسكرية ودبلوماسية ضخمة دون أن يحقق استقراراً نهائياً في المنطقة.
الفوسفات بين الاقتصاد والسياسة
يحاول المغرب التعويض عن هشاشته الطاقوية عبر تسويق نفسه كقوة عالمية في سوق الفوسفات، مستفيداً من دور شركة المكتب الشريف للفوسفاط التي تعد من أكبر المنتجين في العالم.
غير أن هذا المورد، رغم أهميته الاقتصادية، لا يمكنه وحده تعويض ضعف منظومة الطاقة، خصوصاً في ظل تقلبات الأسواق العالمية والضغوط الجيوسياسية التي قد تؤثر على سلاسل التوريد والتجارة الدولية.
اختبار قاسٍ للنماذج الاقتصادية
مع تصاعد التوترات الدولية، يبدو أن الاختبار الحقيقي للدول لا يكمن في حجم خطابها السياسي، بل في قدرتها على ضمان أمنها الاقتصادي والطاقوي. وفي هذا السياق، يظهر الفرق بين نموذج يعتمد على السيادة في إدارة الموارد، ونموذج آخر يظل مرتبطاً بشكل كبير بالتوازنات الخارجية.
وفي وقت تتجه فيه الأنظار إلى مستقبل أسواق الطاقة وسط احتمال اتساع رقعة الأزمات العالمية، تبرز الجزائر كلاعب قادر على التأثير في المعادلات الإقليمية، بينما يواجه المغرب تحديات متزايدة لإعادة بناء توازنه الاقتصادي والسياسي في مرحلة تتسم بقدر كبير من عدم اليقين.
