بعد سنتين ونصف من زلزال الأطلس الكبير، لم تعد المأساة مرتبطة بما فعلته الطبيعة، بل بما امتنعت دولة المخزن عن فعله. هنا، في القرى الجبلية المنكوبة، لم تنتهِ الكارثة، بل استقرت وتحولت إلى نمط عيش قسري، تُغذّيه البيروقراطية، وتغطيه البلاغات الرسمية، وتباركه سياسة الإفلات من المحاسبة.
قساوة الطقس ليست سوى الفصل الأخير في جريمة طويلة: ثلوج، أمطار، ورياح تعصف بخيام كان يفترض أن تكون «حلّاً مؤقتاً» لأشهر، فإذا بها تمتد لسنوات، بينما تُسوَّق في الرباط أرقام «الإنجاز» وكأنها حقائق.
الميدان: إعمار على الورق وخراب في الواقع
في دوار «تزكي»، على بعد 18 كلم من أمزميز، يعيش 45 بيتاً بلا بيوت. الجميع في الحاويات والبنايات القصديرية والخيام المهترئة. لا أساسات، لا جدران، لا ورشات. سنتان ونصف مرت، ولم يُوضع حجر واحد. هذه ليست حالة معزولة، بل نموذج مكثف لما يجري في عشرات الدواوير.
الوعود حضرت بكثافة: زيارات مسؤولين، جولات عامل الإقليم، تصريحات عن قرب الانطلاق. لكن الواقع يقول شيئاً واحداً: الإعمار متوقف. والأسوأ أن 18 أسرة من أصل 45 أُقصيت من أي دعم، بلا تفسير مقنع، في ضرب صارخ لمبدأ المساواة والإنصاف.
الدعم المقلَّص: كيف تُصنَّع المساكن غير اللائقة؟
حين تقلّص الدولة دعم إعادة البناء من 14 مليون سنتيم إلى 8 ملايين، في مناطق جبلية تعرف غلاءً مضاعفاً في مواد البناء وندرة اليد العاملة، فهي لا تُخطئ التقدير، بل تُنتج الفشل عن سبق إصرار.
النتيجة واضحة في الدواوير التي شُرع فيها بالبناء: منازل ضيقة، شروط سكن غير إنسانية، غياب للمراقبة التقنية، وورشات متعثرة. أموال تُصرف، لكن دون أثر يعيد للناس كرامتهم أو أمنهم السكني.
التعليم والصحة: دولة المخزن تنسحب والجمعيات تسدّ الفراغ
حين اقتلعت الرياح مدرسة ابتدائية مبنية بالبناء المفكك، لم تتحرك السلطات. جمعية أجنبية هي من أعادت تشييد المدرسة ليستفيد منها حوالي 30 طفلاً. أما تلاميذ الإعدادي والثانوي، فيُرحَّلون إلى الداخليات بمناطق أخرى، وكأن التعليم ترف لا حق.
في الصحة، الصورة أكثر قتامة: لا مركز صحي، لا إسعاف، لا ولادة آمنة. المرضى والحوامل يقطعون الكيلومترات نحو أمزميز أو غيرها. هنا، الحق في الصحة مؤجَّل، وربما منسي.
كذبة 99 في المئة: حين يتحول الخطاب الرسمي إلى استفزاز
تصرّ الدولة على الحديث عن نسب إنجاز تصل إلى 99 في المئة. أيُّ 99 في المئة هذه، والناس في الخيام؟ أي إعمار هذا، والمدارس تُقتلع بالرياح؟ هذه ليست مبالغة إعلامية، بل استخفاف فج بمعاناة المتضررين، ومحاولة لتبييض فشل واضح.
الأرقام لا تُقاس في المكاتب، بل في القرى. والواقع يقول إن العدالة في إعادة الإعمار لم تتحقق، وإن الإقصاء طال الآلاف، وإن ما يُقدَّم كنجاح هو في الحقيقة إدارة للأزمة لا حلّ لها.
العيش المؤقت بدل الكرامة الدائمة
إلى جانب السكن، تغيب أي رؤية اقتصادية جدية. السكان متشبثون بأرضهم، لكن الدولة لا تقدم سوى انتظار مواسم محدودة الدخل، كجني اللوز. لا برامج تشغيل، لا بدائل اقتصادية، لا استثمار محلي. هكذا يُدفع الناس إلى الفقر المزمن، ثم يُطلب منهم الصبر.
الاحتجاج: حين يصبح الشارع آخر مؤسسة
أمام هذا الانسداد، تستعد تنسيقية ضحايا الزلزال لاستئناف احتجاجاتها بعد تعليق مؤقت. المطالب ليست جديدة: إعادة إيواء الجميع دون إقصاء، تسريع الإعمار، مراجعة الدعم، فتح تحقيق في الاختلالات، وربط المسؤولية بالمحاسب
