ليست كل السكك الحديدية متشابهة، فبعضها يُنشأ للنقل، وبعضها يُشيّد لإعادة رسم موازين القوى. وما أطلقه رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون بإعطائه إشارة استغلال أطول خط سكة حديد في تاريخ الجزائر، بالتزامن مع الدخول الرسمي لمنجم غار جبيلات حيز الاستغلال، ليس مجرد مشروع بنية تحتية، بل زلزال جيوسياسي هزّ حسابات الخصوم، وعلى رأسهم نظام المخزن.
نحن هنا أمام شريان سيادي يمتد على ما يقارب ألفي كيلومتر، يربط أقصى الجنوب الغربي للجزائر بعمق الشمال، ناقلًا خام الحديد، والسلع، والبضائع، والمسافرين، ومعلنًا نهاية مرحلة التجميد والتعطيل وبداية زمن الفعل. قطار لا يجرّ فقط عربات ممتلئة بالحديد الجزائري الخام الموجّه للمصانع، بل يحمل قرارًا وطنيًا مستقلاً طالما أزعج من اعتادوا رؤية الجزائر مكبّلة.
غار جبيلات.. حين يتحول “العملاق النائم” إلى كابوس للمخزن
لعقود، راهن المخزن – علنًا أو في الغرف المغلقة – على أن يظل منجم غار جبيلات مشروعًا مؤجلًا، حبيس الدراسات والخرائط، مجرد عنوان يُستحضر في الخطب دون أن يغادر الورق. لكن ما لم يحسب له حسابًا، هو أن الجزائر حسمت أمرها: السيادة لا تُفاوض، والموارد لا تُرهن، والتنمية لا تُستجدى.
بدخول غار جبيلات مرحلة الاستغلال الفعلي، وباحتياطي يُعد من الأكبر عالميًا، تتحول الجزائر من بلد مستورد للحديد إلى قوة صناعية صاعدة، قادرة على التحكم في سلسلة الإنتاج، من الاستخراج إلى التحويل، ومن السوق المحلية إلى التصدير الدولي. هنا تحديدًا تبدأ حسرة المخزن، لأن المعادلة انقلبت نهائيًا.
السكك الحديدية فعلٌ سيادي وليس مجرّد مشرروع تنموي
الخط الحديدي الجديد ليس مشروع نقل فقط، بل قرار جيو-اقتصادي ثقيل الوزن. ربط الصحراء بالبحر يعني كسر العزلة المفروضة جغرافيًا، وتحويل العمق الصحراوي إلى قلب نابض للاقتصاد الوطني. هو إعلان صريح بأن الجزائر لم تعد تقبل أن تُحاصر في حدود الدور التقليدي المرسوم لها من الخارج.
في المقابل، ماذا يملك المخزن؟ مشاريع واجهات، رهانات على التطبيع، وبعض استثمارات خارجية تُدار بعقلية التبعية. بينما تبني الجزائر سككًا من حديد، يراكم هو خطابات من ورق. والفرق بين الطرفين لم يعد قابلًا للإخفاء.
الرئيس تبون يحول الإرادة السياسية إلى إنجاز ملموس
ما يغيظ خصوم الجزائر ليس فقط حجم المشروع، بل وضوح الرؤية وسرعة التنفيذ. الرئيس عبد المجيد تبون لم يكتف بإحياء غار جبيلات، بل ربطه بمنظومة نقل وطنية، وفتح له أبواب التصنيع والتصدير، واضعًا البلاد على سكة تحول اقتصادي حقيقي.
خمسة عشر مليار دولار لم تعد أرقامًا في تقارير، بل حديدًا يُستخرج، ويُنقل، ويُصنّع، ويُسوّق. وهذه بالضبط هي النقطة التي يفشل المخزن في استيعابها: الجزائر انتقلت من منطق الوعود إلى منطق الإنجاز.
ضربة موجعة.. لأن المستقبل لا ينتظر المترددين
إطلاق أطول خط سكة حديدية واستغلال غار جبيلات ليسا حدثين معزولين، بل رسالة سياسية واقتصادية واضحة: الجزائر تبني مستقبلها بيدها، دون وصاية، ودون ابتزاز، ودون انتظار رضا أحد.
ولهذا، فإن وجعك أيها النظام المخزني مبرَّر.. فحين ترى دولة جارة تتحول إلى قطب صناعي، وتربط صحراءها بالبحر، وتفرض نفسها في سوق الحديد العالمي، بينما أنت غارق في حسابات ضيقة، فإن الحسرة تصبح قدرك الأبدي.
الجزائر اليوم لا تلتفت إلى الخلف. قطارها انطلق، وسكته من حديد، ووجهته السيادة.
أما من بقي خارج التاريخ.. فمشكلته ليست مع الجزائر، بل مع الزمن نفسه.. والزمن لا يعود إلى الوراء وقطاره لا ينتظر الحاقدين.
