أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، عبر منصته الاجتماعية “تروث سوشال”، نشر تعليق يلمّح إلى أن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد يصبح “الرئيس المقبل لكوبا”، مرفقًا المنشور برمز تعبيري ضاحك وتعليق مقتضب قال فيه: “يبدو هذا جيدًا بالنسبة لي!”. ورغم الطابع الساخر الظاهر للمنشور، فإن صدوره عن رئيس الولايات المتحدة يمنحه دلالات سياسية تتجاوز المزاح، خاصة في ظل التحركات الأميركية الأخيرة في أمريكا اللاتينية.
المنشور الأصلي كُتب من قبل مستخدم غير معروف على نطاق واسع، لا يتجاوز عدد متابعيه بضع مئات، ما يطرح تساؤلات حول دوافع إعادة نشره من قبل ترامب شخصيًا. غير أن سابقة استخدام الرئيس الأميركي لمنصاته الرقمية لإطلاق رسائل سياسية مبطّنة تجعل من الصعب فصل هذا التعليق عن سياقه السياسي العام، لاسيما أن ترامب دأب خلال مسيرته على توظيف الغموض بين السخرية والجدية كأداة ضغط واختبار لردود الفعل.
ويكتسب التلميح أهمية إضافية بالنظر إلى شخصية ماركو روبيو نفسه، الذي يُعد من أبرز وجوه التيار المحافظ الأميركي المتشدد تجاه كوبا وفنزويلا. فرغم كونه مولودًا في الولايات المتحدة، إلا أن أصوله الكوبية شكّلت جزءًا أساسيًا من خطابه السياسي، الذي طالما دعا فيه إلى تشديد العقوبات ودعم تغيير الأنظمة في دول أمريكا اللاتينية المناوئة لواشنطن. ومن هذا المنطلق، فإن الإيحاء بـ“رئاسته لكوبا” يحمل رمزية تتصل بتاريخ طويل من التوتر والعداء بين واشنطن وهافانا.
وتأتي هذه الواقعة بعد أيام فقط من العملية الأميركية في فنزويلا التي انتهت باعتقال الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، وهو حدث اعتبره كثيرون نقطة تحوّل خطيرة في قواعد التعامل الدولي. هذا السياق الزمني يجعل أي إشارة أو تلميح يصدر عن البيت الأبيض، حتى وإن بدا هزليًا، محل قراءة حذرة، إذ لم تعد التهديدات أو الخطابات الاستفزازية تُفهم بوصفها مجرد أدوات إعلامية، بل بوصفها مقدمات محتملة لتحركات فعلية.
ويرى مراقبون أن ترامب يستخدم هذا النوع من المنشورات لتحقيق أكثر من هدف في آن واحد، من بينها توجيه رسائل تطمين إلى قاعدته السياسية المتشددة، خصوصًا في ولاية فلوريدا، واستفزاز خصومه الإقليميين، إضافة إلى تكريس مناخ سياسي يُطبع فكرة التدخل المباشر في شؤون الدول الأخرى، سواء عبر العقوبات أو العمليات أو الضغط السياسي المكشوف.
أما في كوبا، فإن مثل هذه الإشارات تعيد إلى الذاكرة تاريخًا طويلًا من محاولات التدخل الأميركي، من الغزو الفاشل في خليج الخنازير إلى الحصار الاقتصادي الممتد منذ عقود. وعلى الرغم من أن فكرة تنصيب مسؤول أميركي رئيسًا لكوبا تبدو غير واقعية من الناحية القانونية والسياسية، إلا أن تداولها حتى على سبيل المزاح يعكس تراجعًا مقلقًا في احترام مبادئ السيادة الوطنية وتقرير المصير.
وفي المحصلة، قد لا يكون منشور ترامب أكثر من تعليق عابر في فضاء التواصل الاجتماعي، غير أن التجربة أثبتت أن الخط الفاصل بين المزاح والسياسة في خطاب الرئيس الأميركي غالبًا ما يكون هشًا. وبينما تتزايد التحركات الأميركية المثيرة للجدل في أكثر من ساحة دولية، يبقى السؤال مطروحًا حول ما إذا كانت هذه التصريحات مجرد أدوات دعائية، أم أنها تمهّد فعليًا لمرحلة أكثر اندفاعًا في السياسة الخارجية الأميركية، حيث لا يُستبعد أي سيناريو مهما بدا صادمًا.
