لم يعد الأمر قراءة جزائرية ناقدة، ولا موقفًا سياسياً معارضاً داخل مدريد، بل خلاصة صادرة عن أحد أبرز مراكز التفكير الإسبانية. تقرير المعهد الملكي إلكانو يقرّ صراحة بأن سياسة خوسيه مانويل ألباريس وضعت إسبانيا في موقع ضيق بين الجزائر والمغرب، بـ”هامش مناورة محدود”، في اعتراف غير مباشر بأن ما سُوِّق كـ”براغماتية” لم يكن سوى إدارة أزمة تحت ضغط.
التقرير يرسم صورة واضحة: دعم مدريد للمقترح المغربي بشأن الصحراء الغربية عزّز موقع الرباط أممياً بعد قرار مجلس الأمن الأخير، لكنه في المقابل عمّق التوتر مع الجزائر، وقلّص قدرة إسبانيا على لعب دور الوسيط التقليدي. إسبانيا التي كانت تاريخياً تحتمي بخطاب “الحياد القانوني” وجدت نفسها، بعد الانعطافة التي قادها الحزب الاشتراكي، خارج المعادلة التفاوضية تماماً، بل وحتى خارج لقاءات تُعقد على أراضيها برعاية أمريكية.
الأخطر أن التقرير يعيد التذكير بما كان معروفاً في الكواليس: التحول الإسباني لم يكن نتيجة قناعة استراتيجية بقدر ما جاء تحت وطأة ما وصفه الباحثان إغناسيو مولينا وبابلو ديل آمو بـ”العدوانية المتزايدة” للرباط. ضغط عبر ملفات حساسة تمس الأمن القومي الإسباني:
الهجرة غير النظامية، ترسيم الحدود البحرية، الضغط على سبتة ومليلية، التعاون الأمني، وحتى قضية “بيغاسوس”.
بمعنى أوضح: إسبانيا غيّرت موقفها تحت تأثير أدوات ضغط هجينة، لا عسكرية، لكنها تمس صميم الأمن والاستقرار الداخلي.
التقرير لا ينكر أن الحكومة كانت تدرك المخاطر: خسارة رصيد أخلاقي تراكَم لعقود، توتر مع الجزائر ذات الثقل الطاقوي، وإمكانية فتح شهية الرباط لاستخدام الأسلوب ذاته مستقبلاً. ومع ذلك مضت مدريد في الخيار، معتبرة أن الأولوية هي تخفيف التوتر مع الجار الأقرب جغرافياً. النتيجة؟
لا وساطة فعلية، لا دور قيادي، ولا ضمانات بأن الرباط ستتوقف عن سياسة حافة الهاوية.
من زاوية جزائرية، ما يكشفه إلكانو يكرّس حقيقة طالما أكدت عليها الجزائر: أن اختلال التوازن في الموقف الإسباني لن يؤدي إلى استقرار إقليمي، بل إلى تعميق الاستقطاب المغاربي. فالجزائر، التي ردّت بإجراءات اقتصادية بعد الانعطافة الإسبانية، لم تكن تتصرف برد فعل عاطفي، بل ضمن قراءة سيادية تعتبر أن دعم مقترح أحادي على حساب مبدأ تقرير المصير يُخلّ بأسس الشرعية الدولية.
التقرير يتوقع استمرار سباق التسلح بين الجزائر والمغرب، ويرى أن التوتر بينهما لن يتحسن قريباً. كما يحذر من سيناريو متشائم قد يشهد توترات حدودية أو اضطرابات داخلية في المغرب نفسه، بما سينعكس سلباً على المصالح الإسبانية. أي أن مدريد، في سعيها لاحتواء ضغط الرباط، قد تكون وضعت نفسها في موقع هش أمام أي اهتزاز مستقبلي في الضفة الجنوبية.
الأكثر دلالة أن إلكانو يقرّ بأن “مرور الوقت يخدم المغرب” في ملف الصحراء، في إشارة إلى استراتيجية استنزاف طويلة الأمد تراهن على تثبيت الأمر الواقع. لكن السؤال الذي يتجنب التقرير الإجابة عنه بوضوح هو:
هل يخدم الوقت أيضاً استقرار المنطقة؟ أم يراكم احتقاناً مؤجلاً؟
في المحصلة، تكشف قراءة إلكانو أن سياسة ألباريس ليست اختراقاً دبلوماسياً بقدر ما هي إدارة مخاطر يومية في بيئة إقليمية متوترة. إسبانيا لم تعد وسيطاً متوازناً، بل فاعلاً يحاول تفادي الأسوأ. أما الجزائر، فرغم الخلاف، تبقى لاعباً لا يمكن تجاوزه في معادلة المتوسط والطاقة والأمن الإقليمي.
مدريد اليوم تمشي على خيط دبلوماسي رفيع.
لكن المشكلة أن هذا الخيط مشدود بين عاصمتين لا تثقان ببعضهما، وفي ملف لم يُحلّ منذ نصف قرن.
