الاثنين 02 مارس 2026

جريمةٌ مكتملة الأركان… حين تتحوّل المدارس إلى أهداف في سجلّ العدوان الأمريكي-الصهيوني… بقلم د. هناء سعادة

نُشر في:
بقلم: د. هناء سعادة
جريمةٌ مكتملة الأركان… حين تتحوّل المدارس إلى أهداف في سجلّ العدوان الأمريكي-الصهيوني… بقلم د. هناء سعادة

ليس ثمّة وصفٌ يليق بمشهد إغتيال أكثر من مئةٍ وسبعين طالبةٍ في مدرسة إبتدائية، جنوب إيران، سوى أنّه جريمةٌ كاملة الأركان، موثّقةٌ بدماء الأبرياء، وممهورةٌ بصمتٍ دوليٍّ مخزٍ. فحين تُقصف المدارس، وتُستهدف الطفولة، ويُحاصر العلم تحت ركام الفصول، لا يعود الحديث عن «أخطاء عسكرية» أو «أضرار جانبية» إلا محاولةً بائسة لتجميل جريمةٍ يعاقب عليها القانون الدولي صراحةً.

يشكّل استهداف المؤسسات التعليمية انتهاكاً صارخاً لكلّ قواعد القانون الإنساني الدولي، بدءاً من مبادئ حماية المدنيين المنصوص عليها في اتفاقيات جنيف، وصولاً إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي يجرّم الهجمات المتعمدة على المدنيين والمنشآت المدنية، وعلى رأسها المدارس والمستشفيات.

هذه النصوص ليست شعاراتٍ أخلاقية، بل التزاماتٌ قانونية ملزمة لكلّ دولةٍ تدّعي احترام القانون الدولي. ومع ذلك، تتكرر الجرائم ذاتها، ويتكرّر الصمت ذاته، وكأنّ دماء أطفال الشرق لا تدخل في حسابات العدالة الدولية.

لقد أثبت التاريخ أنّ المشروع الصهيوني، المدعوم من الولايات المتحدة، لا يتردّد في تحويل المدنيين إلى أهداف، حين تعجز آلته العسكرية عن تحقيق الحسم في الميدان. وما حدث في المدارس الإيرانية ليس حادثةً معزولة، بل حلقة جديدة في سلسلةٍ طويلة من الاعتداءات على الطفولة، من غزة إلى لبنان، حيث تتحوّل المدارس إلى قبور جماعية، وتتحوّل الأقلام إلى شواهد قبور.

لم تُكتب القوانين الدولية التي وُضعت بعد الحرب العالمية الثانية لحماية الإنسانية من وحشية الحروب عبثاً. فمبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ومبدأ التناسب، وحظر استهداف المنشآت المدنية، كلّها قواعد جوهرية أكّدتها مواثيق الأمم المتحدة، وكرّستها تقارير منظمات دولية مثل منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) التي شددت مراراً على أنّ المدارس مناطق محمية لا يجوز المساس بها. ومع ذلك، يظلّ السؤال المرير قائماً: أين تطبيق هذه القوانين حين يكون الضحية طفلاً شرقياً، والجاني حليفاً غربياً؟

إنّ قتل الطالبات والمدرسين ليس مجرد رقمٍ في نشرة أخبار، بل هو اغتيالٌ لمستقبل أمة، واعتداءٌ على حقّ الإنسان في العلم والحياة والكرامة. إنه إعلان حربٍ على المعرفة نفسها، وعلى فكرة الإنسان الحرّ الذي يتعلّم ويفكّر ويحلم. فحين تُقصف المدارس، تُقصف الحضارة.

ولا يمكن لهذه الجريمة أن تمرّ دون محاسبة. فالصمت الدولي تواطؤ، والازدواجية القانونية سقوط أخلاقي، وإفلات المعتدي من العقاب تشجيعٌ لجرائم جديدة. إنّ المجتمع الدولي، ممثلاً في مؤسساته القضائية والحقوقية، مطالبٌ بتحقيقٍ مستقلٍّ شفاف، ومساءلةٍ قانونيةٍ حقيقية أمام المحكمة الجنائية الدولية، لأنّ العدالة التي لا تُطبّق على الجميع ليست عدالة، بل أداةُ هيمنة.

لقد أثبتت إيران، رغم الجراح، أنّ الشعوب التي تُبنى على الكرامة لا تُكسر بالقصف، وأنّ الدم الذي يُراق في المدارس يتحوّل ذاكرةً لا تموت، وإرادةً لا تنكسر. فالتاريخ علّمنا أنّ الطغيان قد يدمّر المدن، لكنه لا يستطيع أن يمحو الحقيقة، وأنّ الجرائم التي تُرتكب في الظلام تبقى شاهدةً على أصحابها مهما طال الزمن.

إنّ دماء الطالبات والمدرّسين اليوم ليست مأساة إيران وحدها، بل جرح الإنسانية جمعاء. وهي نداءٌ أخلاقيٌّ وقانونيٌّ عاجل لإعادة الاعتبار لمعنى العدالة، ولإنهاء زمن الإفلات من العقاب، وللتأكيد أنّ العالم الذي يسمح بقصف المدارس يفقد آخر ما تبقّى من إنسانيته.

رابط دائم : https://dzair.cc/6eoq نسخ

اقرأ أيضًا