لم يترك الحقوقي المغربي النقيب عبد الرحيم الجامعي مجالاً للشك في أن العدالة بالمغرب تعيش “سكتة قلبية” وظيفية ومؤسساتية، محولاً ندوة “فدرالية اليسار” بالرباط إلى محاكمة علنية لنظام قضائي اختار الاصطفاف خلف “لصوص المال العام” بدلاً من حماية حقوق المواطنين. بجرأة المدافع الصلب، شخّص الجامعي “أمراض” العدالة المغربية، مؤكداً أن الاستبداد لم يمت، بل أعاد إنتاج نفسه في ثوب “هيمنة قضائية” مرعبة.
من “هراوة” الإدارة إلى “سطوة” المجلس الأعلى: استبداد بوجوه جديدة
كشف الجامعي أن “إصلاحات” ما بعد دستور 2011 لم تكن سوى مساحيق تجميلية؛ فالمغرب انتقل من هيمنة وزارة العدل (الإدارة) إلى هيمنة “المجلس الأعلى للسلطة القضائية”، حيث تحولت العلاقة بين المجلس والقضاة إلى حالة من “الاضطراب” بدلاً من الاطمئنان. هذا التغول المؤسساتي أبقى القضاء ضعيفاً، مرتهناً لعقلية قديمة ترى في القاضي “موظفاً يمتثل للتعليمات” لا حامياً للديمقراطية.
المادة 3: “الدرع الواقي” لعصابات الفساد
صبّ النقيب الجامعي جام غضبه على المادة 3 من قانون المسطرة الجنائية الجديد، واصفاً إياها بالردة الحقوقية “المرفوضة نهائياً”. وتساءل بمرارة: كيف يُعقل أن يمنع القانون التبليغ عن الفساد أو تقديم شكاوى ضد المفسدين؟
إن هذه المادة ليست مجرد نص قانوني، بل هي “حماية قضائية رسمية للفاسدين”، وإعلان صريح عن انهيار دولة المؤسسات. حين يغلق القضاء أبوابه في وجه المحاسبة، فإنه يشرعن النهب ويحول النيابة العامة إلى مظلة تقي لصوص الثروات الوطنية من رياح العدالة.
تغوّل النيابة العامة.. “بعبع” العدالة الجنائية
وصف الجامعي توجهات النيابة العامة بـ”الشيء المخيف”، منتقداً منحها سلطات فرعونية في المسطرة الجنائية مست حتى “القضاء الجالس”. إلزام القاضي بالامتثال لإحالة النيابة العامة حتى في حالات عدم الاختصاص، هو طعنة في قلب “استقلال القضاء” وتحويل للمحاكم إلى “ملحقات أمنية” تنفذ رغبات السلطة التنفيذية والشرطة القضائية، مما يهدد السلامة الجسدية والحرية الشخصية لكل مغربي.
قضاة المغرب مقابل قضاة أوروبا: شتان بين “الموظف” و”المناضل”
عقد الجامعي مقارنة مؤلمة بين القضاء الفرنسي الذي يجر الرؤساء (ساركوزي) إلى المحاكم، وبين القضاء المغربي الذي يبدو “عاجزاً” أو “متواطئاً”. وأشاد بـ”نادي قضاة المغرب” كبصيص أمل وحيد حاول كسر طوق “الوظيفة التقليدية” للالتحاق بركب الدفاع عن الديمقراطية، مؤكداً أن “انحياز القضاء للفاسدين” هو المسمار الأخير في نعش ثقة المواطن في دولته.
“نحن أمام دولة الفساد والاستبداد”
صرخة النقيب الجامعي لم تكن مجرد تحليل قانوني، بل هي استغاثة وطنية: المواطن المغربي اليوم مهدد في حياته وسلامته، والقانون الذي وُضع لحمايته أصبح “سيفاً” مسلطاً على رقاب الشرفاء و”درعاً” يحمي المفسدين.
الرسالة واضحة: إذا فشل القضاء الوطني في التخلص من “أورامه الخبيثة” وانحيازه المفضوح، فلا خيل لنا سوى “تدويل” قضايا الفساد والانتهاكات. إننا نعيش عودة قوية لزمن “الانتهاكات الجسيمة” تحت غطاء قانوني مشوه، ولا سبيل لوقف هذا الانهيار إلا بنضال جماعي يحرر القضاء من قبضة المخزن ويعيد للمواطن كرامته المسلوبة.
