لم يعد ملف التعليم الأولي مجرد اختلال قطاعي محدود، بل تحوّل إلى مرآة كاشفة لعمق الأزمة التي تطبع السياسات الاجتماعية للحكومة، وعنوان صارخ لفشل مقاربة التفويض والخصخصة المقنّعة في تدبير خدمات عمومية يفترض أن تقوم على الاستقرار والإنصاف. فعودة أساتذة وأستاذات التعليم الأولي إلى الإضراب والاحتجاج ليست سوى نتيجة طبيعية لسنوات من التجاهل والتسويف، وسياسات نقلت عبء الإصلاح إلى الحلقة الأضعف: الشغيلة التربوية.
لقد اختارت الحكومة، بدل إدماج هذا السلك الحيوي في المنظومة العمومية، أن تديره عبر شبكة من الجمعيات والوسائط، في نموذج يفرّغ الدولة من مسؤوليتها المباشرة ويحوّل آلاف العاملين إلى يد عاملة مؤقتة بلا ضمانات. والنتيجة اليوم واضحة: أجور متأخرة، عقود هشة، غياب استقرار مهني، وتفاوتات صارخة في الحقوق بين من يشتغلون داخل المدرسة نفسها. أي إصلاح هذا الذي يقوم على طبقية وظيفية داخل التعليم العمومي؟
الخطاب الرسمي يفاخر بتعميم التعليم الأولي وتوسيعه، لكن الواقع يكشف أن التعميم تم على حساب شروط العمل والكرامة المهنية. فكيف يمكن الحديث عن جودة تربوية في بيئة يشتغل فيها المربون تحت تهديد الطرد، وبأجور مجزأة، ومن دون مسار مهني واضح؟ إن ما يجري ليس مجرد اختلال إداري، بل خيار سياسي كامل يقوم على خفض كلفة الخدمة العمومية عبر الهشاشة، لا عبر الاستثمار في الإنسان.
الأخطر أن الحكومة تواصل تجاهل المطلب المركزي: الإدماج في الوظيفة العمومية. وهو مطلب لا يعبّر فقط عن رغبة فئوية، بل عن مبدأ بديهي في العدالة الوظيفية، يقتضي أن يخضع العاملون في القطاع العمومي للنظام نفسه من الحقوق والواجبات. أما الإبقاء على نظام التفويض، رغم كل ما أفرزه من اختلالات موثقة، فيعني عملياً الإصرار على نموذج أثبت فشله.
إن الاحتجاجات المتجددة لأساتذة التعليم الأولي تضع الحكومة أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية مباشرة. فإما مراجعة جذرية لسياسة التفويض وإدماج فعلي للعاملين، وإما استمرار دوامة الهشاشة التي تهدد ليس فقط حقوق الشغيلة، بل أيضاً مستقبل إصلاح التعليم برمته. لأن إصلاحاً يقوم على هشاشة المدرّس لا يمكن أن ينتج مدرسة عادلة ولا تعليماً ذا جودة.
