في كل مرة يُعاد فيها إحياء ملف الصحراء الغربية داخل غرف مغلقة، وبعناوين من قبيل “الواقعية” و“الحلول الممكنة”، يتأكد أن جوهر المشكلة ليس في تعقيد النزاع، بل في الإصرار على الالتفاف على حق واضح اسمه تقرير المصير. الاجتماع الذي تحتضنه مدريد برعاية أمريكية، ويجمع المغرب وجبهة البوليساريو بحضور الجزائر وموريتانيا، لا يخرج عن هذا السياق المألوف: محاولة جديدة لإعادة تسويق وصفة قديمة، فشلت أخلاقياً وقانونياً، لكنها ما تزال تُفرض بقوة النفوذ لا بقوة الشرعية.
الطرح الذي تدفع به واشنطن، والمتمثل في جعل “مقترح الحكم الذاتي” المغربي قاعدة النقاش، ليس سوى انحياز مقنّع، حتى وإن حاولت لغة قرارات مجلس الأمن تغليفه بعبارات فضفاضة عن “حل سياسي متوافق عليه”. لا يمكن القفز على حقيقة أن الصحراء الغربية إقليم غير متمتع بالحكم الذاتي وفق تصنيف الأمم المتحدة، ولا يمكن تحويل حق شعب في تقرير مصيره إلى تفصيل ثانوي يُناقش تحت سقف سيادة الأمر الواقع التي فرضها الاحتلال منذ 1975.
المخزن، الذي يروّج لهذه الاجتماعات باعتبارها تكريساً لـ“مغربية الصحراء” المزعومة، يتجاهل عمداً أن مقترح الحكم الذاتي نفسه لم يُعرض يوماً على المعنيين الحقيقيين به: الشعب الصحراوي. فكيف يمكن الحديث عن حل “واقعي” في ظل غياب الاستفتاء، ووجود آلاف اللاجئين، واستمرار القمع، وحرمان بعثة المينورسو حتى اليوم من مراقبة حقوق الإنسان؟ الواقعية الحقيقية تبدأ بالاعتراف بأن الاحتلال، مهما طال، لا يصنع حقاً.
الأخطر في هذا المسار ليس فقط محاولة فرض سقف تفاوضي منحاز، بل إقحام أطراف دولية في دور “الوسيط” وهي في الواقع جزء من المشكلة. الولايات المتحدة، التي تعترف نظرياً بمبدأ تقرير المصير، تسعى عملياً إلى إدارة النزاع بما يخدم توازناتها الجيوسياسية، لا بما ينهي الظلم التاريخي الواقع على الصحراويين. أما اختيار مدريد مسرحاً لهذا اللقاء، فليس بريئاً، بل يذكّر بالدور الإسباني الملتبس: قوة استعمارية سابقة لم تستكمل مسؤولياتها القانونية، ثم شريك أوروبي يفضّل الصمت أو الاصطفاف بدل تصحيح خطيئة التاريخ.
في المقابل، يثبت موقف البوليساريو، المدعوم جزائرياً، أنه الموقف الأكثر انسجاماً مع الشرعية الدولية، لأنه ببساطة يطالب بتطبيق ما أُقرّ منذ عقود: استشارة شعب الإقليم بحرية، ومنحه حق الاختيار دون إكراه أو وصاية. الجزائر، رغم محاولات المخزن تصويرها كـ“طرف معرقل”، لا تفعل أكثر من الدفاع عن مبدأ ثابت، تدفع ثمنه سياسياً ودبلوماسياً لأنها ترفض المقايضة على حساب حقوق الشعوب.
إن كل حديث عن “حل نهائي” لا يمر عبر صندوق الاقتراع، ولا يعترف بالصحراويين كطرف صاحب سيادة على قراره، ليس حلاً بل تأجيلاً للأزمة. ومهما تعددت الاجتماعات وتغيّرت العواصم، سيبقى جوهر الصراع واحداً: إما احترام القانون الدولي وحق تقرير المصير، أو تكريس منطق القوة وشرعنة الاحتلال تحت مسميات براقة. والتاريخ، في النهاية، لا يرحم من يراهن على فرض الأمر الواقع، ولا من يتواطأ معه بالصمت أو التبرير.
