الأربعاء 04 فيفري 2026

حين تتكلم الأدلة… ويصغي رجل القانون… بقلم موسى بوغراب

نُشر في:
بقلم: موسى بوغراب
حين تتكلم الأدلة… ويصغي رجل القانون… بقلم موسى بوغراب

ليست كل الرسائل تُكتب بالحبر، فبعضها يُبعث بالفعل، وبعضها الآخر يُقال بهدوءٍ أشد وقعًا من الضجيج، تكريم شرطة الجلفة للدكتورة حماش نوال حكيمة، المختصة في الطب الشرعي، هو من هذا الصنف الثاني: رسالة ذكية، محسوبة، ومشحونة بدلالات تتجاوز صورة التكريم وبروتوكوله.
في الظاهر، هو احتفاء بكفاءة علمية أسهمت في إنجاح دورة تكوينية لفائدة ضباط الشرطة القضائية حول
“الطب الشرعي ودوره في فك معالم الجرائم وعلاقته مع الضبطية القضائية”.
أما في العمق، فهو اعتراف صريح بأن الجريمة اليوم أذكى من أن تُواجه بالأدوات التقليدية وحدها، وأن العدالة الحديثة تبدأ من المختبر بقدر ما تبدأ من محضر الاستجواب.
الرسالة الأولى واضحة:
الدولة التي تحترم نفسها، تستثمر في العقل قبل العصا، وفي العلم قبل الاتهام. فالطب الشرعي لم يعد علمًا مساعدًا، بل صار أحد أعمدة الحقيقة، حين تتناقض الروايات وتختفي الشهادات، ولا يبقى في مسرح الجريمة سوى الصمت… والأدلة.
الرسالة الثانية، أكثر هدوءًا ولكن أعمق أثرًا:
الكفاءة لا جنس لها.
حين تُكرَّم طبيبة شرعية جزائرية على خبرتها ومعارفها، فإن ذلك يكسر الصور النمطية، ويؤكد أن الرهان الحقيقي هو على التخصص والجدارة، لا على العناوين الجانبية. إنه تكريم للمرأة العالِمة، دون شعارات، ودون استعراض.
أما الرسالة الثالثة، فهي موجهة إلى الداخل المؤسساتي:
التكوين المستمر ليس ترفًا، بل ضرورة أمنية. فالجريمة تتطور، وأساليبها تتبدل، ومن لا يُحدّث أدواته، يجد نفسه يلاحق أشباحًا. وما قامت به شرطة الجلفة يعكس وعيًا بأن رجل الشرطة القوي هو رجل الشرطة المتكوّن.
ثم هناك رسالة غير مكتوبة، لكنها حاضرة بقوة:
حين يلتقي الطب الشرعي مع الضبطية القضائية في مساحة تعاون لا تنازع، فإن الضحية تنال حقها، والمشتبه فيه يُحاكم بالأدلة لا بالانطباعات، وتُغلق الأبواب أمام الظلم والخطأ.
هذا التكريم، في جوهره، ليس تكريم شخص فقط، بل تكريم لفكرة:
أن الحقيقة تُبنى بالصبر، تُقرأ في التفاصيل، وتُستخرج من أدق العلامات.
في زمن كثرت فيه الأحكام المسبقة، تبقى مثل هذه المبادرات بمثابة تذكير صامت بأن العدالة لا تحب الضجيج… بل تحب الدقة.
تحية لشرطة الجلفة على ذكاء الرسالة،
وتحية للدكتورة حماش نوال حكيمة،
فحين يتقدم العلم خطوة، تتراجع الجريمة خطوتين.

رابط دائم : https://dzair.cc/kuwb نسخ

اقرأ أيضًا