في واحدة من أخطر قضايا الاعتداءات الجنسية المتسلسلة التي تفجرت في فرنسا خلال السنوات الأخيرة، تكشفت معطيات صادمة عن رجل سبعيني فرنسي يُشتبه في ارتكابه عشرات الاعتداءات الجنسية بحق قاصرين على مدى أكثر من نصف قرن عبر عدة قارات، غير أن ما يثير القلق بشكل خاص هو أن المغرب شكّل، وفق التحقيقات القضائية الفرنسية، محطة إقامة طويلة ومفضلة لهذا المتهم، الذي عاش فيه لسنوات دون أن تثار حوله أي مساءلة تُذكر.
القضية التي يتابعها القضاء الفرنسي تتعلق بالمدعو جاك لوفوغل، وهو شخص تصفه السلطات بأنه “معتدٍ متسلسل” استهدف فتياناً قاصرين منذ ستينيات القرن الماضي، مستفيداً من عمله في أنشطة تربوية وتعليمية لبناء علاقات ثقة مع ضحاياه قبل استغلالهم جنسياً. وقد كشفت مذكرات شخصية عُثر عليها سنة 2023 عن إشارات إلى ما لا يقل عن 89 ضحية في دول متعددة، من بينها المغرب، حيث أقام المتهم لفترات متقطعة امتدت من سبعينيات القرن الماضي إلى غاية سنة 2023، أي قبل توقيفه مباشرة.
هذا الحضور الطويل يطرح أسئلة ثقيلة حول كيفية تمكن شخص يُشتبه في تورطه في اعتداءات متسلسلة على قاصرين من الإقامة في المغرب لعقود، والتنقل داخله، والعمل في مجالات مرتبطة بالشباب أو الدعم التعليمي، دون أن تستشعر الأجهزة المعنية أي خطر أو تفتح تحقيقات بشأنه. فالمعطيات القضائية تشير إلى أن تنقل المتهم بين الدول واختلاف الأنظمة القانونية كانا من العوامل التي ساعدته على الإفلات من الملاحقة، وهو ما يسلط الضوء على هشاشة آليات التنسيق والرقابة، خاصة في البلدان التي تشكل وجهات إقامة طويلة للأجانب.
ولا تقتصر خطورة الملف على الاشتباه بوقوع اعتداءات محتملة داخل المغرب، بل تمتد إلى كون هذا البلد ورد في النداء الرسمي الذي أطلقته النيابة العامة في غرونوبل للتعرف على ضحايا مجهولين، ما يعني أن السلطات الفرنسية تنظر بجدية إلى احتمال وجود ضحايا مغاربة لم يتم تحديد هوياتهم بعد. وقد أعلنت مصادر إعلامية فرنسية أن محققين يعتزمون السفر إلى المغرب في إطار التحقيق، وهو ما يضع السلطات المغربية أمام اختبار حقيقي يتعلق بمدى استعدادها للتعاون وكشف الحقيقة.
تكشف القضية كذلك نمطاً معروفاً في جرائم الاعتداء الجنسي العابر للحدود، حيث يستهدف بعض الجناة بيئات اجتماعية هشة وأوساطاً محدودة الإمكانات، مستفيدين من غياب الرقابة وضعف الحماية المؤسساتية للقاصرين. وتشير شهادات ضحايا إلى أن المتهم كان يقترب من عائلات متواضعة، مقدماً دروساً لغوية أو أنشطة ثقافية، قبل بناء علاقة نفسية وتبعية تسهل الاعتداء. وهو نمط يثير مخاوف مضاعفة في سياقات تعاني أصلاً من اختلالات في مراقبة الأنشطة التربوية غير النظامية.
إن وجود بلد بأكمله ضمن المسار الجغرافي لمعتدٍ متسلسل عبر القارات ليس مجرد تفصيل عرضي في ملف قضائي، بل مؤشر على ثغرات بنيوية في منظومة حماية الطفولة، وفي مراقبة المقيمين الأجانب الذين ينشطون في مجالات حساسة. كما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت السلطات المغربية قد فتحت، أو ستفتح، تحقيقاً موازياً بشأن الأنشطة التي مارسها المتهم خلال سنوات إقامته الطويلة داخل المملكة.
وبينما تسابق النيابة العامة الفرنسية الزمن لاستكمال التحقيق قبل سقوط بعض الوقائع بالتقادم، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كم عدد الضحايا الذين قد يكونون سقطوا في المغرب دون أن يُسمع صوتهم؟ فالصمت الطويل الذي يلف هذه القضية داخل المملكة لا يقل خطورة عن الأفعال نفسها، لأنه يعكس خللاً في آليات الكشف والمساءلة، ويغذي صورة بلد قد يتحول، بفعل ضعف الرقابة، إلى ملاذ آمن للمعتدين العابرين للحدود.
إن هذه الفضيحة، التي تتقاطع فيها الجريمة الجنسية مع البعد الدولي والإقامة الطويلة في المغرب، تضع منظومة الحماية والرقابة لدى المخزن تحت مجهر المساءلة، وتفرض ضرورة كشف كل الملابسات المرتبطة بوجود هذا المتهم على التراب المغربي. فحماية القاصرين ليست مسألة سيادة شكلية أو صورة خارجية، بل اختبار حقيقي لمدى احترام الدول لحقوق الإنسان في أبسط مستوياتها: سلامة الأطفال وأمنهم من الاستغلال.
