صعّد المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي لهجته ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب، متهماً إياه بالتحريض المباشر على الاضطرابات التي شهدتها إيران خلال الأسابيع الماضية، والتسبب في سقوط قتلى وإلحاق أضرار واسعة وتشويه صورة الشعب الإيراني. ووصف خامنئي ترامب بـ«المجرم»، معتبراً أن ما جرى يتجاوز كونه احتجاجات داخلية إلى ما سماه «مؤامرة خارجية» تقف وراءها الولايات المتحدة وإسرائيل.
ونقلت وسائل إعلام رسمية عن خامنئي قوله إن التحريض الأخير «كان مختلفاً» لضلوع الرئيس الأميركي فيه شخصياً، مطالباً السلطات الإيرانية بـ«قصم ظهر مثيري الفتنة». وأكد أن جهات مرتبطة بإسرائيل والولايات المتحدة تسببت في «أضرار جسيمة» وأعمال حرق وتخريب، وذهب إلى القول إن آلاف القتلى سقطوا نتيجة هذه الأحداث، معتبراً أن ما جرى يمثل «جرائم وافتراءات خطيرة» بحق الدولة والمجتمع.
وفي لهجة تجمع بين التهديد والاحتواء، شدد المرشد الإيراني على أن بلاده «لن تُجرّ إلى الحرب»، لكنها في الوقت نفسه «لن تسمح للمجرمين المحليين أو الدوليين بالإفلات من العقاب»، في إشارة واضحة إلى تشديد القبضة الأمنية داخلياً مع إبقاء باب المواجهة المباشرة مع واشنطن موارباً.
من جهتها، واصلت السلطات الإيرانية تحميل ما تصفه بـ«مثيري الشغب» و«الإرهابيين» مسؤولية العنف، مؤكدة أن عناصر «مسلحة» اندست وسط المحتجين، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل تقفان وراء تنظيمهم وتمويلهم. وفي المقابل، قالت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان «هرانا»، ومقرها الولايات المتحدة، إنها وثقت مقتل 3090 شخصاً، بينهم 2885 متظاهراً، إضافة إلى اعتقال أكثر من 22 ألف شخص، وهي أرقام تنفيها طهران.
الموقف الأميركي بدا بدوره متقلباً؛ فبينما هدد ترامب مراراً باتخاذ «إجراء قوي للغاية» إذا نفذت إيران إعدامات بحق محتجين، عاد ليشكر قادة طهران على ما وصفه بـ«التخلي عن فكرة الإعدام الجماعي»، مؤكداً أنه هو من اتخذ قرار عدم توجيه ضربة لإيران. في المقابل، نفت السلطات الإيرانية وجود أي خطة لإعدامات جماعية، معتبرة تصريحات ترامب جزءاً من «حرب نفسية وإعلامية».
ونقلت صحيفة وول ستريت جورنال عن المتحدثة باسم البيت الأبيض قولها إن خيارات الرئيس الأميركي بشأن إيران «ما تزال مفتوحة»، وأنه سيتخذ القرار الذي يراه في مصلحة الولايات المتحدة والعالم، ما يعكس استمرار سياسة الغموض والضغط دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
على الأرض، شهدت إيران تطوراً لافتاً برفع جزئي للحجب عن خدمات الإنترنت بعد انقطاع دام نحو 200 ساعة. وأكدت منظمة «نتبلوكس» أن الاتصال عاد بشكل طفيف جداً، لا يتجاوز 2% من مستوياته الطبيعية، فيما أفاد سكان بعودة محدودة للإنترنت والرسائل القصيرة في بعض المناطق، بعد أيام وُصفت بأنها الأكثر عنفاً منذ اندلاع الاحتجاجات في 28 ديسمبر/كانون الأول على خلفية تدهور الأوضاع الاقتصادية قبل أن تتخذ طابعاً سياسياً أوسع.
وفي موازاة ذلك، أعلنت السلطات الإيرانية تنفيذ عمليات اعتقال واسعة بحق من وصفتهم بـ«زعماء الفتنة»، شملت عشرات الأشخاص في مدن عدة، بينهم متهمون بالقتل وإحراق الممتلكات العامة والخاصة. كما تحدث الإعلام الرسمي عن توقيف عناصر مرتبطة بجماعة «مجاهدي خلق» المعارضة، وأشخاص قالت إنهم يعملون لصالح أطراف معارضة في الخارج.
وفي تطور لافت، عبّر مسؤولون إسرائيليون علناً عن دعمهم لجهات معارضة داخل إيران، إذ أقر وزير التراث الإسرائيلي بوجود «عملاء على الأرض» بهدف إضعاف قدرات طهران، نافياً في الوقت نفسه السعي المباشر لإسقاط النظام. تصريح اعتبرته إيران دليلاً إضافياً على «التدخل الخارجي»، ومؤشراً على أن الاحتجاجات تجاوزت بعدها الداخلي لتتحول إلى ساحة صراع سياسي وإعلامي وأمني مفتوح.
بين اتهامات خامنئي، وضغوط ترامب، واستمرار الاعتقالات والاحتجاجات المتقطعة، تبدو إيران أمام مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع الأزمة الاقتصادية مع التوتر السياسي الداخلي والصراع الإقليمي والدولي، في مشهد ينذر بمزيد من التصعيد، حتى وإن أصرّ الطرفان على القول إنهما لا يسعيان إلى الحرب.
