الجمعة 16 جانفي 2026

خروج مشرّف يقابله فضيحة مخزنية مدويةٍ.. الجزائر تظلُّ شامخة والمغرب يلهث وراء شراء كأسٍ مدنّسة بالمال القذر.. بقلم: معمر قاني

نُشر في:
بقلم: معمر قاني
خروج مشرّف يقابله فضيحة مخزنية مدويةٍ.. الجزائر تظلُّ شامخة والمغرب يلهث وراء شراء كأسٍ مدنّسة بالمال القذر.. بقلم: معمر قاني

لم يخرج المنتخب الوطني الجزائري من كأس أمم إفريقيا مهزوماً بالمعنى الحقيقي للكلمة، بل غادر المنافسة مرفوع الرأس، نظيف القميص، ثابت الموقف، في بطولة بدت منذ بداياتها أقرب إلى مسرح نفوذ وترتيبات كواليس منها إلى منافسة رياضية عادلة، فمغادرة المنافسة لم تكن سقوطاً، بل شهادة إضافية على أن الجزائر ما زالت قادرة على لعب الكرة بقلبها، لا بصفقاتها، وبشرفها لا بحساباتها الضيقة، وفي حين اشترى آخرون الكأس، فإنّ الجزائر ربحت فريقاً يلعب من أجل الوطن، لا من أجل العناوين الزائفة.

انتهت مساء أمس السبت مشاركة “الخضر” في نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025، المنظمة فوق أرض لم تكن يوماً محايدة، ولا تنظيمها كان بريئاً، ولا سياقاً منفصلاً عن السياسة. الخسارة أمام منتخب نيجيريا بهدفين دون رد في ربع النهائي لا تختزل المشهد، بل تكشف جانباً واحداً فقط من قصة أكبر، عنوانها بطولة حُبلى بالفضائح، ومناخ تحكيمي مشبوه، وانطباع عام بأن بعض المنتخبات لم تدخل المنافسة على قدم المساواة.

منذ الدقائق الأولى لمباراة ربع النهائي أمام نيجيريا، اتضح أن “الخضر” لا يواجهون خصماً واحداً، ركلة جزاء واضحة حُرمت منها الجزائر في الدقيقة 13 بعد لمس يد صريح داخل المنطقة، لقطة لا تحتاج لاجتهاد ولا لتقنية “فار”، لكنها قُتلت ببرودة، تلاها سيل من القرارات المستفزة، بطاقات صفراء مبكرة، وميزان عقوبات مختل، وكأن الحكم السنيغالي عيسى سي جاء وهو يعرف تماماً حدود الدور المطلوب منه، ما شاهدناه فضيحة تحكيمية جديدة تُضاف إلى سجل العار الإفريقي، والخاسر الحقيقي فيها لم يكن فريقاً بعينه، بل نزاهة اللعبة ذاتها.

هكذا غادر عيسى سي وجماعته أرضية الميدان بعدما أنهوا “المهمة القذرة” التي كُلّفوا بها، وسط غضب عارم من لاعبي المنتخب الجزائري الذين لم يتحملوا حجم الظلم، لم يكن احتجاجهم فوضوياً بل نابعا من وطنيتهم، صادراً عن لاعبين شعروا بأن عرقهم يُصادر، وأن مجهودهم يُداس، ولأن البطولة تُدار بعقلية أمنية وليست رياضية، كان المخزن قد جهّز من يحمي الحكم بعد المباراة، بدل أن يفتح تحقيقاً شفافاً أو يقدّم تفسيراً مقنعاً لما حدث.

لا أحد يجادل في قيمة المنتخب النيجيري، ولا في خبرته القارية، ولا في امتلاكه لاعبين من الطراز العالي، لكن الفارق في تلك الليلة لم يكن فنياً فقط، بل كان تآمرياً أيضاً. منتخبٌ لعب كرة القدم ضمن قواعدها، ومنتخب آخر وجد نفسه داخل بطولة مسيّسة، تحكمها اعتبارات لا علاقة لها باللعب وحده، ورغم تلقي شباك الجزائر هدفين في الشوط الثاني، لم ينكسر الفريق ولم يستسلم، وحاول عبر التغييرات الهجومية أن يقول إن الجزائر لا تغادر بصمت، حتى حين تُدفع خارج المشهد.

فرغم الخسارة بهدفين، لم يسقط “الخضر”، بل سقطت النزاهة في ملعب مراكش، المنتخب الجزائري قدّم في هذه الدورة، وفي هذه المباراة تحديداً، رسالة واضحة للجزائريين: هذا فريق يُقاتل، فريق أعاد الأمل والالتفاف الجماهيري حوله، فريق يملك مستقبلاً حقيقياً إذا ما تُرك ليلعب في ظروف نظيفة. الجزائر لم تربح كأساً مشبوهةً، لكنها ربحت منتخباً يلعب بقلبه من أجل الوطن، لا من أجل صفقات الكواليس ولا حسابات النفوذ.

وربما شاءت الأقدار، وفي ذلك خير، أن لا يواجه المنتخب الجزائري منتخب البلد المنظّم المُطبّع، في بطولة تلطّخت أجواؤها قبل عشب ملاعبها، فحُفظت كرامة الجزائر، ولم تُدنَّس صورتها في مواجهة كانت ستُحمّل أكثر مما تحتمل رياضياً، لأن الجزائر لا تحتاج إلى الانتصار في بطولة مشبوهة لتثبت نفسها، فهي دولة تاريخ وموقف وسيادة، لا دولة واجهات رياضية تُخفي بها أزماتها السياسية والاجتماعية.

نفوذ رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم فوزي لقجع داخل أروقة “الكاف” لم يعد سراً، هو نفوذ يُترجم في التحكيم والبرمجة وكذلك في الصمت المريب، وفي تحويل بطولة قارية إلى واجهة استعراضية تخدم أجندات محددة، ويكتمل المشهد القاتم بتقارير عن احتجاز صحفيين ومراسلين ومناصرين جزائريين من طرف الأمن المغربي، في سابقة خطيرة تؤكد أن المشكلة لم تعد رياضية، بل سياسية وأمنية، وأن مناخ الترهيب صار جزءاً من إدارة الحدث.

الأدهى من ذلك أن المخزن لم يتردد في استغلال فوز نيجيريا على الجزائر لتمرير خبر مرض الملك، في وقت متأخر، بعد نهاية المباراة، وكأن الإقصاء الجزائري كان فرصة إعلامية مناسبة لتمرير خبر حساس، بعيداً عن الأضواء، في استغلال فجّ للحدث الرياضي وتلاعب واضح بتوقيت المعلومة.

وإذا كان خروج الجزائر مشرّفاً، فإن ما جرى في مباراة المغرب والكاميرون مثّل سقوطاً أخلاقياً مدوّياً، منتخب كاميروني بلا روح يفقد فجأة القدرة عل على الصراع، بلا تلك الشخصية التي شاهدها الجميع في دور المجموعات، كاميرون مختلفة تماماً، لاعبوها يرفعون أرجلهم بطريقة صادمة، وكأن النقاط قُدّمت على طبق من ذهب. هنا يبرز السؤال الذي يطرحه الشارع الكروي الإفريقي: ماذا حدث في الكواليس؟ وما الذي دار بين فوزي لقجع وصامويل إيتو حتى ينتهي اللقاء بتلك الصورة الفاضحة؟

لقد كنا ننتظر شراء حكم، أو التأثير على تقنية الـVAR، فإذا بنا أمام مشهد أخطر: شراء مباراة كاملة، ووأد المنافسة في مهدها. نفوذ رئيس الجامعة المغربية لكرة القدم داخل أروقة الاتحاد الإفريقي لم يعد سراً، بل صار ملموساً في الحكام والقرارات والتغاضي المتكرر، ومنع المناصرين الجزائريين من التذاكر، وفرض مناخ عدائي لا يليق ببطولة قارية يُفترض أنها تجمع ولا تفرّق.

هذه النسخة من كأس أمم إفريقيا لم تكن مجرد حدث رياضي، بل تحولت إلى أداة تنويم سياسي، يُطلب من خلالها من شعب مغربي مغلوب على أمره أن يحتفل وينسى، وأن يصفّق بدل أن يسأل عن القهر الاجتماعي والبؤس الاقتصادي، وعن الارتهان المتزايد للخارج، وعن السقوط في أحضان الصهاينة والفرنسيين. كل ذلك جرى تحت غطاء كرة القدم، وبإخراج مخزني يعرف كيف يزيّن الواجهة ويُخفي العطب ويفعل المستحيل من أجل شراء الكأس حتى لا ينتفض الشعب المقهور.

اليوم، وبعد هذا الخروج المشرف للمنتخب الوطني، تبقى الكرة في ملعب الاتحادية الجزائرية لكرة القدم، ورئيسها وليد صادي، والناخب الوطني فلاديمير بيتكوفيتش. الدروس واضحة ولا تحتاج إلى كثير شرح: منتخب شاب، روح قتالية، هوية وطنية، وجمهور يعرف كيف يشجّع ولماذا يقف وراء منتخبه، التحدي الحقيقي هو الاستعداد الجاد لكأس العالم، والتركيز على البناء لا الالتفات إلى بطولة سقطت أخلاقياً قبل أن تُسدل ستائرها رياضياً.

خرجت الجزائر من كأس إفريقيا، لكنها لم تخرج من التاريخ، ولم تخرج من المواقف، ولم تخرج من شرف المنافسة، هم اشتروا الكأس، أما الجزائر فقد نالت احترام الجميع.

رابط دائم : https://dzair.cc/qf9s نسخ

اقرأ أيضًا