لم يقتصر صقيع “دافوس” هذا العام على تجميد الأطراف، بل جمّد اليقينيات أيضاً. لقد غادر المشاركون “الجبل السحري” للمنتدى الاقتصادي العالمي وهم يحملون حقيقة صادمة لا تقبل التأويل: الغرب، تلك الكتلة الصلبة التي ورثناها عن عام 1945، والتي صهرها التاريخ ووحدتها القيم المشتركة، قد لفظت أنفاسها الأخيرة.
ما دار خلف الأبواب المغلقة في المنتجع السويسري يتجاوز كونه احتكاكاً دبلوماسياً عابراً؛ إنه صدع تكتوني، و”طلاق بائن” تم إشهاره أمام العالم بأسره.
الأطلسي يتحول إلى خندق
لقد تهاوت أسطورة “العائلة الأطلسية” الواحدة. لعقود خلت، استكانت بروكسل وأوتاوا إلى وهم التحالف الأبدي مع واشنطن، لكن دافوس 2026 أطلق رصاصة الرحمة على هذه السذاجة الجيوسياسية.
لم يأتِ الوفد الأمريكي للتفاوض، بل للإملاء. كانت الرسالة فجة ومباشرة: “لم يعد لدى أمريكا حلفاء، بل مصالح فقط”. الحمائية الاقتصادية لم تعد إجراءً طارئاً للأزمات، بل تحولت إلى عقيدة راسخة. لقد أبلغت واشنطن “شركاءها” التاريخيين أن بوابة السوق الأمريكية وتقنياتها الحساسة ستظل موصدة، ما لم يكن المقابل اصطفافاً سياسياً أعمى.
بالنسبة للأوروبيين والكنديين، كانت الاستفاقة عنيفة؛ لقد أدركوا أنهم لم يعودوا “أبناء العمومة” المدللين للإمبراطورية، بل مجرد تابعين قيد الاختبار، مخيرين بين الطاعة العمياء أو مواجهة الجحيم التجاري.
خصخصة الأمن: عودة “عهد الحماية”
نقطة اللاعودة تجسدت في مشروع يحمل اسماً بيروقراطياً لواقع مرعب: “مبادرة السلام والأمن”. خلف هذا العنوان المنمق يكمن مشروع تشييع جنازة الأمم المتحدة وحلف الناتو بصيغته التقليدية.
تفرض الولايات المتحدة اليوم هندسة أمنية جديدة قائمة على منطق “الدفع مقابل الحماية”، خارج أي شرعية دولية. القاعدة بسيطة: “اشتروا السلاح الأمريكي، وصوتوا للموقف الأمريكي، نضمن لكم البقاء”. إنها نهاية عهد التضامن الآلي؛ المظلة النووية تحولت إلى سلعة، وبوليصة تأمين خاضعة للمساومة.
وفي حين ترددت الديمقراطيات العريقة أمام هذا الابتزاز، رأينا آخرين يهرولون نحو الفخ. لقد شهدنا مشهداً بائساً لأنظمة هشة، وتحديداً بعض الملكيات كالمغرب، تتسابق لتكون أول الموقعين. بالنسبة لهذه الأنظمة، المعادلة مكشوفة: التنازل عن السيادة مقابل “البركة” الأمريكية لضمان استمرار العرش. هذا ليس تحالفاً، بل هو إحياء حديث لـ “نظام الحماية” الاستعماري. ومقابل هذا الخنوع الطوعي، تتنازل هذه الدول عن قرارها المستقل لتتحول إلى مجرد “مقاولين من الباطن” لخدمة أجندات لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
سقوط القناع الأخلاقي
الانهيار لم يكن سياسياً فحسب، بل أخلاقياً بامتياز. أوروبا، التي طالما شهرت سيف “حقوق الإنسان” والمناخ كأدوات نفوذ – وأحياناً كذريعة للتدخل – تجد نفسها اليوم عارية أمام تناقضاتها.
وبينما تحاول بروكسل، ببراعة المرتعش، التمسك برواية الدبلوماسية الفاضلة، قامت واشنطن بتمزيق القناع. في دافوس، انتصرت “الواقعية السياسية” الفجة. المناخ؟ مجرد متغير اقتصادي. القيم؟ ترف ينتمي للماضي.
لا يجد الأوروبيون أنفسهم معزولين بسبب فضيلتهم، بل بسبب عجزهم. إنهم يخطبون في الصحراء، بينما يراقبون الباخرة الأمريكية تبحر بعيداً نحو تصنيع مكثف وملوث، مصمم لسحق المنافسين دون أي اعتبارات أخلاقية.
مرحباً بكم في “شريعة الغاب”
ما الدرس المستفاد من هذه القمة التاريخية؟ أن النظام العالمي لم يعد يحتكم للقانون، بل لمنطق الافتراس.
بالنسبة لـ “الجنوب العالمي” والقوى الصاعدة، الرسالة واضحة: لا وجود لـ “معسكر الخير”، هناك فقط سوق للقوة. أوروبا، المذعورة من تراجع نفوذها، ستضطر لاستجداء تحالفات جديدة للبقاء، بينما انكفأت الولايات المتحدة داخل قلعة عدوانية.
يؤرخ دافوس 2026 رسمياً لدخولنا عصر “الخلاص الفردي”. عالم الأمس دُفن تحت الثلوج السويسرية، وعالم الغد سيكون بارداً، قاسياً، ولن يرحم الأمم الساذجة.
لياس ميهوبي
