يبدو أن الآلة الدبلوماسية لنظام “المخزن” المغربي قد دخلت مرحلة “التيه الاستراتيجي” الشامل؛ فبعد سنوات من الاستثمار في الأوهام وبيع الانتصارات الوهمية للداخل، يجد الرباط نفسه اليوم معزولاً، منكسر الإرادة، ومحاصراً بتقارير دولية تفضح وجهه القمعي القبيح. إن ما نراه اليوم من تخبط في دهاليز الخارجية المغربية ليس مجرد عثرة عابرة، بل هو الانهيار الحتمي لمنطق “المقايضة” والارتماء في أحضان القوى التخريبية على حساب الجغرافيا والتاريخ.
لقد توهم مهندسو “دبلوماسية التغريدات” في الرباط أن التحالفات المشبوهة مع “دويلات” وظيفية وتسخير أموال “الفساد السياسي” كفيل بعزل الجزائر أو لي ذراعها. لكن الصدمة كانت عنيفة؛ فبينما كانت الجزائر تعيد رسم خارطة القوة الإقليمية بمواقف سيادية صلبة، كان المخزن يتلقى الصفعات الواحدة تلو الأخرى، ولعل أقساها تلك “الاستدارة” الإسبانية المفاجئة، حين عاد “ألباريس” صاغراً ليعترف بأن الجزائر هي الشريك الاستراتيجي الموثوق والوحيد الذي لا يمكن تجاوزه، محولاً “النصر التاريخي” المزعوم للمخزن إلى نكسة دبلوماسية أخرست أصوات أبواق الدعاية في الرباط.
هذا الانكسار الخارجي ليس سوى انعكاس لاهتراء “الجبهة الداخلية” التي يحاول المخزن التستر عليها بالحديد والنار. فتقارير المنظمات الدولية، وعلى رأسها “هيومن رايتس ووتش” لعام 2026، كشفت للعالم حقيقة “الواحة الديمقراطية” المزعومة؛ حيث يُقتل المتظاهرون من “جيل زد” في الشوارع، وتوزع المحاكم قروناً من السجن على الأحرار بتهم واهية، بينما يقبع قادة حراك الريف في غياهب السجون بتهم انتُزعت تحت وطأة التعذيب. إن نظاماً يخاف من تدوينة لصحفي أو احتجاج لشاب، هو نظام يعيش رعب النهاية، مهما حاول الاختباء خلف بروتوكولات القصور البالية.
إن ارتماء المخزن في “محور التآمر” الإقليمي، ومحاولته استنساخ نماذج “الأزمات المبرمجة” لضرب استقرار الجوار، ارتدت عليه وبالاً؛ فإغلاق الأجواء الجزائرية وقوة الرد السيادي الذي أطلقه الرئيس تبون بصرخته “لا تدفعونا للندم”، جعلت من المغرب مجرد “تابع” في أجندات لا تخدم سوى مصالح القوى العابرة للقارات. لقد فقد المخزن صفة “الدولة الجارة” ليتحول إلى “وظيفة أمنية” رخيصة، مقامراً بمستقبل شعبه الذي يئن تحت وطأة الغلاء والقمع في سبيل أوهام توسعية أثبتت الأيام أنها تتحطم دائماً أمام صخرة الجزائر القوية والمهابة.
لقد انتهى زمن المناورات خلف الستار؛ فالدبلوماسية المغربية اليوم عارية تماماً أمام المجتمع الدولي، فلا هي استطاعت فرض واقع جديد في الصحراء الغربية، ولا هي حافظت على الحد الأدنى من الاحترام بين جيرانها. إنها “دبلوماسية الانتحار” التي يقودها نظام فقد البوصلة، وبدلاً من أن يبني جسوراً مع محيطه الطبيعي، اختار أن يكون معول هدم، ناسياً أن التاريخ لا يرحم الضعفاء الذين يبيعون سيادتهم مقابل “وعد” من سراب.
