في مشهد سياسي لا يخلو من قدر كبير من النفاق والمراوغة، خرج رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش ليعلن عدم ترشحه لولاية ثالثة على رأس حزب “التجمع الوطني للأحرار”، محاولًا تسويق قراره كتصرف أخلاقي راقٍ واحترامٍ لقواعد التداول على القيادة، في حين يراه خصومه، ومعهم قطاع واسع من الرأي العام، مجرد محاولة مكشوفة للفرار من حصيلة حكومية ثقيلة ومن مساءلة سياسية واجتماعية طال انتظارها.
أخنوش، الذي تحدث عن “تسليم المشعل” واعتبر أن “ولايتين تكفيان لأي قائد”، تجاهل عمدًا أن المشكلة لم تكن يومًا في عدد الولايات، بل في مضمون السياسات، ونتائج القرارات، والكلفة الاجتماعية الباهظة التي دفعتها فئات واسعة من المغاربة خلال سنوات توليه رئاسة الحكومة. فالرجل يغادر واجهة حزبية، لكنه يترك خلفه بلدًا يرزح تحت غلاء خانق، وتدهور غير مسبوق في القدرة الشرائية، واتساع فجوة طبقية صادمة، في مقابل حماية واضحة لمصالح لوبيات المال والاحتكار.
ردّ النائبة البرلمانية المغربية فاطمة التامني جاء ليكسر هذا الإخراج المسرحي، حين وصفت “الاعتزال” بأنه ليس بطولة ولا فضيلة، بل هروب متأخر من ميزان المحاسبة. كلام التامني لم يكن انفعالًا عابرًا، بل تلخيصًا دقيقًا لمأزق سياسي يحاول أخنوش القفز فوقه بجملة عابرة. فمن تولى رئاسة الحكومة، ومن جمع بين السلطة السياسية والنفوذ الاقتصادي، لا يملك حق الانسحاب الهادئ ولا الخروج الأنيق، لأن السياسة ليست وظيفة موسمية تُترك متى ثقل حملها، بل مسؤولية تاريخية يُسأل صاحبها عمّا أنجزه وعمّن أضرّ به.
الحديث عن “هيمنة حزب أخنوش على المشهد السياسي”، كما ورد في تصريحات أخنوش، لا يعكس سوى انفصال فاضح عن الواقع. أي هيمنة هذه التي تتزامن مع تصاعد الاحتقان الاجتماعي، وتآكل الثقة في المؤسسات، واتساع رقعة العزوف السياسي؟ وأي نجاح سياسي هذا الذي يُقاس بعدد المقاعد لا بكرامة المواطن المغربي ولا بقدرته على تأمين أساسيات العيش؟ فالحصيلة على الأرض لا تكذب: أسعار ملتهبة، خدمات اجتماعية هشة، وسياسات عمومية بدت منحازة بوضوح للأقوى اقتصاديًا، تاركة الفئات الضعيفة تدفع ثمن “الإصلاحات” المزعومة.
محاولة أخنوش تقديم نفسه كزعيم يغادر طوعًا تكشف في العمق منطقًا مألوفًا في أنظمة سياسية مأزومة: تغيير الواجهة بدل محاسبة الجوهر. فالانسحاب من قيادة الحزب لا يعني الاعتراف بالفشل، ولا يرقى إلى مستوى المراجعة النقدية، بل يبدو أقرب إلى إعادة تموضع تكتيكي هدفه امتصاص الغضب وتخفيف الضغط، مع الإبقاء على شبكات النفوذ الاقتصادي والسياسي التي لم يمسّها شيء.
في السياق ذاته، يطرح هذا “الاعتزال” أسئلة أكثر إزعاجًا مما يقدّم أجوبة: هل يمكن لمسؤول قاد حكومة وعمّق الأزمة الاجتماعية أن يغادر بلا مساءلة؟ وهل يكفي التخلي عن منصب حزبي لغسل سنوات من السياسات التي أنهكت المجتمع؟ ثم ما معنى الأخلاق السياسية حين تُستدعى فقط عند الخروج، لا عند اتخاذ القرارات التي تمسّ حياة الملايين؟
ما جرى يؤكد، مرة أخرى، أن أزمة السياسة في المغرب ليست أزمة أشخاص ولا ولايات، بل أزمة محاسبة وعدالة سياسية. فالاعتزال لا يمحو الأثر، والخطابات لا تُلغي المعاناة، ومن قاد الحكومة لا يُودَّع، بل يُحاسَب. أما محاولة تحويل الفشل إلى فضيلة، فليست سوى استهانة بعقول الناس، ووجه آخر لسياسة الهروب إلى الأمام.
