الثلاثاء 24 فيفري 2026

رمضان الغلاء في المغرب.. حين يفضح الشهر الكريم فشل المخزن في حماية القدرة الشرائية للمغاربة

نُشر في:
رمضان الغلاء في المغرب.. حين يفضح الشهر الكريم فشل المخزن في حماية القدرة الشرائية للمغاربة

مع كل رمضان، يتكرر المشهد ذاته في المغرب: أسعار تشتعل، وموائد تتقلص، وأسر تلهث خلف الحد الأدنى من الغذاء، فيما تتوالى التصريحات الرسمية عن “المراقبة” و“التموين الكافي” و“استقرار الأسواق”. غير أن الواقع، كما تؤكد أصوات برلمانية وحقوقية، يكشف العكس تماماً: هشاشة بنيوية في السياسات العمومية، وعجزاً مزمناً في ضبط المضاربات والاحتكار، وغياب إرادة سياسية حقيقية لحماية القدرة الشرائية للمغاربة.

في هذا السياق، حذرت النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي فاطمة الزهراء التامني من أن رمضان لا يخلق الغلاء، بل يفضح اختلالات عميقة في تنظيم الأسواق، حيث ترتفع أسعار المواد الأساسية وهوامش الربح بشكل متكرر دون شفافية، بينما تغيب إجراءات ردعية حازمة ضد المضاربين والوسطاء. وهو توصيف يلامس جوهر الأزمة: فالمشكل ليس موسمياً، بل هيكلي مرتبط بطبيعة نموذج اقتصادي يترك السوق تحت رحمة شبكات الاحتكار.

رغم وجود إطار قانوني، وعلى رأسه القانون 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، فإن تفعيله الصارم يظل محدوداً، كما أن دور مجلس المنافسة لا ينعكس بما يكفي على الأسعار اليومية. وهنا تتجلى مفارقة النظام الاقتصادي المغربي: مؤسسات رقابية قائمة شكلياً، لكن أثرها الفعلي ضعيف، لأن توازنات النفوذ داخل اقتصاد الريع تفوق آليات الضبط القانونية. لذلك، تتحول السوق في المواسم الحساسة إلى فضاء مفتوح للمضاربة، حيث تتضخم الأرباح لدى الوسطاء بينما تتآكل القدرة الشرائية للأسر.

الأرقام الرسمية نفسها تؤكد عمق الاختلال. فالمندوبية السامية للتخطيط سجلت خلال السنوات الأخيرة ارتفاع معدلات الفقر والهشاشة، ما يعني أن ملايين المغاربة يعيشون تحت ضغط معيشي خانق. وعندما يصبح أكثر من أربعة ملايين مواطن معتمدين على الإحسان أو المساعدات الموسمية، فإن السؤال لا يعود حول الأسعار فقط، بل حول نموذج اجتماعي كامل: كيف تحولت “قفة رمضان” من مبادرة تضامنية استثنائية إلى ركيزة شبه دائمة لدعم الفئات الواسعة؟ وكيف أصبح الانتظار الموسمي للمساعدات بديلاً عن دخل كريم مستدام؟

إن أزمة الأسعار في رمضان تكشف خللاً مزدوجاً في سياسات المخزن: أولاً، غياب ضبط فعلي لهوامش الربح ومسالك التوزيع في المواد الأساسية، حيث تظل بنية الأسعار غير شفافة وتخضع لدوائر الوساطة والاحتكار؛ وثانياً، اختزال الحماية الاجتماعية في مقاربات إحسانية ظرفية بدل سياسات دائمة تضمن الدخل والعمل والخدمات. لذلك تتوسع رقعة الحاجة عاماً بعد عام، بينما تتآكل الطبقة الوسطى، ويزداد الاعتماد على الصدقات بدل الحقوق.

الأخطر أن هذا العجز لا يبدو أولوية حكومية حقيقية. فبدل سياسات سوق حازمة، تنشغل السلطة بإدارة التوازنات السياسية وإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، فيما يبقى ضبط الأسعار ملفاً موسمياً يُستحضر إعلامياً مع كل رمضان ثم يُطوى. وهكذا يتحول الشهر الكريم إلى اختبار سنوي يفشل فيه النظام الاقتصادي نفسه: اختبار القدرة على حماية المستهلك، وعلى ضمان عدالة السوق، وعلى منع استغلال الطلب الموسمي.

رمضان، في جوهره، شهر تضامن. لكن التضامن المجتمعي لا يمكن أن يعوض غياب العدالة الاجتماعية. فالدولة التي تكتفي بالمراقبة الخطابية وتترك السوق للمضاربين، هي دولة تنقل عبء الحماية من المؤسسات إلى الجمعيات والأفراد. لذلك لا يكشف رمضان فقط غلاء الأسعار في المغرب، بل يكشف حدود نموذج اقتصادي واجتماعي كامل: نموذج يراكم الأرباح في القمة، ويوسع الهشاشة في القاعدة، ويترك ملايين الأسر تواجه موسماً روحياً بقلق معيشي دائم.

في المحصلة، يصبح السؤال الذي يطرحه المغاربة كل رمضان سياسياً بامتياز: هل المطلوب صدقات موسمية تخفف الألم مؤقتاً، أم سياسات عمومية تعيد للسوق توازنه وللمواطن كرامته؟ حتى الآن، يبدو أن المخزن يفضل الأول، فيما يظل الثاني مؤجلاً… إلى رمضان آخر.

رابط دائم : https://dzair.cc/6l2y نسخ

اقرأ أيضًا